الصفحة 158 من 392

فلّما أنْ غنيتُ وعاد مالي ... أراهم لا أبالك راجعوني [1]

إنّ حالة الصدود والإعراض التي يتعرض لها الفقير من الآخرين تجعله يتحسس الأخطار تحف به، والكوارث تنثال عليه حتى ليصبح الفضاء على رحبه يضيق عليه، والأرض على ترامي أرجائها تتضاءل أمام ناظريه، وكأنه يعيش في كنف مكان مغلق لا منفذ فيه للانطلاق منه أو التحرر من أسواره، إنه شعور المرء حين يستبد به الخوف فيرى في كل ثنية ما يتربص به، وفي كل ناحية ما يعاديه، فضلًا عن مشاعر الحيرة والقلق التي تراوده فتضعه في موضع التأرجح بين الأقدام والأحجام، فلا تستجيب إرادته له لاتخاذ القرار الملائم على الرغم من امتلاكه الحزم، فالحزم ينكفىء في حومة الحيرة التي تنتابه، والفزع الذي يعتقل مشيئته، قال طرفة:

إذا قلَّ مالُ المرء قلَّ بهاؤه ... وَضاقتْ عليه أرضُه وسماؤُهُ

وأصبح لا يدري وإنْ كان حازمًا ... أقُدّامُه خيرٌ له أم وَرَاؤُهُ

ولم يمشِ في وجهٍ من الأرض واسعٍ ... من الناس إلا ضاق عنه فضاؤُهُ [2]

وحين يتمكن الفقر من الإنسان ينفض الآخرون من حوله فيضطر إلى خوض الصراع مع الزمن وحيدًا دونما نصير أو معين، فيحز ذلك في نفسه، ويكون الوقع عليه أشد مضاضة، إذا كان التخلي عنه من رهطه الأدنين الذين يبخلون عليه بالعون والتأييد ويحيطون عطاءهم ـ إذا أعطواـ بهالة من الفضل والمن، وهم لا ينظرون إلى ما فيه من فضل وحلم وعقل، وما جدوى العقل في رهط يزن الرجال بالمال، ويجعل العقل ظلًا تابعًا له يذهب بذهابه، ويؤوب إذا آب، قال الأعلم القيسي:

أتيتُ بني عمرٍو ورهطي فلم أجدْ ... عليهم إذا اشتد الزمانُ مُعَوّلا

ومَنْ يفتقرْ في قومِه يَحْمَدِ الغِنَى ... وإن كان فيهم ماجِدَ العَمِّ مُخْولا

يمنّون أن أعطوا ويبخلُ بعضهم ... ويُحسبَ عجزًا سَكْتُهُ إن تجمَّلا

(1) الأغاني: 22/ 117.

(2) ديوانه: 159 - 160.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت