فهرس الكتاب
ويُزري بعقل المرءِ قلَّةُ مالِهِ ... وإن كان أقوى من رجالٍ وأجبلا [1]
فالعزلة المفروضة على الفقير اجتماعيًا موت وما قيمة الإنسان إذا عاش عاش محتقرًا منبوذًا من مجتمعه، مجفوًا من أقاربه، ينظرون ِإليه من علو، ويتحامون عشرته، ومن هنا يؤثر الموت على حياة تورد عليه التفاهة والضراعة، قال عروة:
إذا المرءُ لم يبعث سوامًا ولم يُرَحْ ... عليه، ولم تعطف عليه أقاربُهْ
فَلَلْمَوتُ خيرٌ للفتى مِنْ حياتِهِ ... فقيرًا، ومن مولىً تدِبُّ عقاربُهْ [2]
إن الجفوة التي يقابل بها المجتمع الفقير تشعره بضرب من الاحساس العميق بالعدمية في الحياة، فالاحساس بالحياة يتم بالانتماء إلى المجتمع، فالانتماء حركة والحركة حياة، وليس الانفصام عن المجتمع إلا انتماء إلى السكون والسكون موت، ومثل هذا الإحساس قد خالط نفس طرفة الذي لقي الإهمال من وسطه الإجتماعي، فقد رأى أن غيابه لا يقلق، وشهوده لا يغبط، وحياته لا تسره ومماته لا يحزن، قائلًا:
فإن غاب لم يشفقْ عليه صديقُهُ ... وإن آبَ لم يفرحْ به أصفياؤُهُ
وإن ماتَ لم يفقدْ وليٌّ ذهابَهُ ... وإن عاش لم يسُررْ صديقًا لقاؤُهُ [3]
وقد أيقن الشاعر أن الغنى والفقر يتناوبان عليه، وأن المال غاد ورائح [4] فلا ينبغي الاغترار به، والبطر بكثرته ما دامت الأحوال على المرء تتقلب وتريه وجهها الكالح بعد بهاء وإشراق، قال قيس بن الخطيم:
وكائنْ رأينا من أُناس ذوي غنىً ... وجِدَّةَ عيشٍ أصبحوا قد تبدَّلوا
فإنْ تكُ قد أتيتَ مالًا فلا تكن ... به بطِرًا والحالُ قد تتحوّلُ [5]
(1) شعر بكر بن وائل قبل الإسلام: 345.
(2) ينظر: ديوانه: 29.
(3) ديوانه: 160.
(4) ينظر: ديوان حاتم الطائي: 50.
(5) ديوانه: 139.