فهرس الكتاب
إن التقلب في الأحوال يرهب المرء ويسلمه إلى الخوف من الفقر حتى في زمن غناه، وقد يكون جوده في حاضره بمثابة ضمانة مستقبلية له إذ تتبدل المواقع وتتغير الحظوظ فيغتني الفقير ويفتقر الغني، فكيف يبخل الغني بماله ويحرم سائله والغد قادم واحتمال الفقر فيه وارد، قال عدي بن زيد العبادي:
عسى سائلٌ في حاجةٍ إنْ منعْته ... من اليومِ سُؤلًا أن يسوءَكَ في غد
وَ للخَلقِ إذلالٌ لمنْ كان باخلًا ... ضنينًا، ومن يبخل يذلَّ ويُزْهَدِ [1]
"فالعربي يعرف أنه إن وجد اليوم أسباب الرغد فإنّ ذلك إلى أمد، وأن الأيام وظروف الحياة ستسلمه بعد قليل إلى الجدب الذي يصبح معه في حاجة إلى العون يقدمه إليه غدًا من كان في حاجة إليه أمس، ولذلك فقد كان يحس بهول ذلك الشبح شبح الحاجة الذي يهدده، في غده، ولذلك تراه حريصًا على أن يسلف من الفضل ما يكون له دينًا في ذمة التاريخ، وفي أعناق الرجال" [2] .
ويبدو التبرم بالفقر على أوجه عند عروة من خلال تأشيره الأبعاد الاجتماعية الأليمة للفقر والتي عبر عنها بحشد من المفردات تأتي متواترة لتؤكد دلالة الانفصام السحيق في نفسه وتوقظ فيها روح الاقتحام لكسر طوق العزلة الاجتماعية المفروضة عليه، وارتياد عوالم جديدة من شأنها أن تغير الواقع الذي يسوؤه إلى آخر ينيله مواصفات المخلوق المقبول اجتماعيًا فيقرب مجلسه بعد أبعاد، ويتوسم فيه الخير بعد شر وإفساد، وليس أمامه طريق سوى الغنى الذي تأتي به المغامرة إذ يقول:
دعيني للغنى أسعى، فإنّي ... رأيتُ الناسَ شرُّهمُ الفقيرُ
و أبعدُهم وأهونُهم عليهم ... وإن أمسى له حَسَبٌ وخيرُ
ويُقصيه النديُّ وتزدريه ... حليلتُهُ و ينهرُه الصغيرُ
ويُلقى ذو الغنى وله جلالٌ ... يكادُ فؤادُ صاحبه يطيرُ
(1) ديوانه: 107.
(2) معلقات العرب، دراسة نقدية تأريخية في عيون الشعر الجاهلي: 278، والشعر الجاهلي منهج في دراسته وتقويمه: 235 - 236.