فهرس الكتاب
لقد كانت البيئة العربية بالغة القسوة على أبنائها، فعرفوا بالتجربة الفعلية المعاشة الأبعاد الموجعة للفقر، فخافوه وتألموا من انعكاساته الاجتماعية المرّة الناجمة عنه، لكن خوفهم منه لم يطفئ فيهم جذوة الكرم المتقدة إزاء البخل الذي قد تميل إليه النفس تحت الحاح الحاجة وقد بقي هو الاستثناء الذي كاد الكرم يجرفه بفيضه الغامر.
الملك:
حظي الملوك عند القدماء بمكانة متميزة جعلتهم ينظرون اليهم نظرة تعلو نظرتهم إلى الناس فامتلأت نفوسهم رهبة منهم، وأظهروا لهم مشاعر التقديس والإعظام [1] ، واضفوا عليهم صفات الآلهة التي تستوجب الخشية، وتحمل على الطاعة والانقياد، فالملك على وفق هذا التصور ليس كائنًا اعتياديًا من مواليد الأرض إنما هو قوة أو روح هابطة من السماء، قال علقمة الفحل:
ولستَ لإِنْسيٍّ ولكنْ لِمَلأَكٍ ... تَنزَّلَ من جوِّ السماءِ يصُوبُ [2]
ولعل من الدلائل المشيرة إلى تقديس العرب للملوك واسباغ طابع الآلوهية عليهم وتسمية أولئك الملوك أربابًا، قال امرؤ القيس:
نحنُ الملوكُ وأبناءُ الملوكِ لنا ... مُلْكٌ به عاش هذا الناسُ أحقابا
ما يُنكرُ الناسُ منّا حين نملِكهم ... كانوا عبيدًا وكُنّا نحنُ أربابا [3]
إن المكانة المتميزة للملك في المجتمع القديم كثيرًا ما جعلته رمزًا دالا على معبودات ذلك المجتمع [4] ، ولعل في اقتران الملك بالقمر ما يشير إلى القمر معبودًا من معبوداتهم يعكسون قداسته على الملك ومكانته فامرؤ القيس شبّه أباه حجرًا بالهلال قائلًا:
(1) الأسطورة والرمز في الادب الجاهلي: 120، التشكيل الخرافي في شعرنا القديم: 206.
(2) ديوانه: 118.
(3) ديوانه: 279، وينظر له: ق 19 ب 3/ 131، وشرح القصائد العشر: ب 38/ 453.
(4) الصورة في الشعر العربي حتى آخر القرن الثاني الهجري: 84.