فهرس الكتاب
قُولا لبِرصانٍ عبيدِ العصا ... ما غرّكُمْ بالأسدِ الباسل
الماجدِ الأرْوعِ مثلِ الهلا ... لِ الأريحيِّ الملكِ الواصل [1]
ويتأكد هذا المعنى لدى الأعشى إذ يجعل القوم ركودًا متخشعين إذا ظهر عليهم الملك، وهم ينظرون إليه كأنهم ينظرون إلى الهلال إجلالًا، قال يمدح الأسود بن المنذر اللخمي:
أريحيٌّ صَلْتٌ يظلُّ له القَوْ ... مُ ركودًا قيامهم للهلالِ [2]
إن عامل التقديس أو الاعظام يقف سببًا مباشرًا وراء تشبيه الشعراء الملوك بالكواكب والنجوم عامة على هذا النحو الواسع، قال النابغة مادحًا النعمان:
ألمْ ترَ أنّ اللّه أعطاك سوْرَةً ... ترى كلّ مَلْكٍ دونها يتذبذبُ
بأنّك شمسٌ والملوكُ كواكبٌ ... إذا طلعتْ لم يبدُ منهنَّ كوكبُ [3]
والآلهة عادلة لا تجور، وحينما يعدل الملوك في الرعية إنما يتشبهون بالآلهة فيكتسبون صفة التقديس، فالعدل يقتضي التقديس ثم تحريم القتل، وإذا ما جار الملك، أو حاد عن العدل ينتفي عنه التقديس ثم تزول رهبته من النفوس. فيكون قتله ـ في هذه الحال ـ ممكنًا مباحًا وغير محرم، قال جابر بن حني التغلبي:
نعاطي الملوكَ السّلمَ ما قصدوا بنا ... وليس علينا قتلُهُمْ بِمُحرَّمِ [4]
وكثيرًا ما كانت الرهبة من الملوك قد دفعت القبائل إلى الإحجام عن نصرة أبنائها الذين يقدمون على قتل الملوك، أو الذين لم يكونوا على وفاق معهم، ففروا من سطوتهم، وظلوا مطاردين يخشون عقوبتهم، فالمتلمس الضبعي لم يختر منفاه إلا بعد أن بدا له أن قومه سيخذلونه ويتقاعسون عن نجدته في
(1) ديوانه: 256.
(2) ديوانه: 9.
(3) ديوانه: 73 - 74.
(4) المفضليات: 211، ما قصدوا: ما عدلوا.