الصفحة 164 من 392

مواجهة الملك عمرو بن هند وقراره الجائر القاضي بإنهاء حياته، فاضطر الشاعر في ظل هذه الظروف الضاغطة إلى إيثار المنفى على الإقامة مع أهله الذين حالت الرهبة بينهم وبين حمايته من الملك وغوائله:

إنّ العراقَ وأهلَه كانوا الهوى ... فإذا نأى بي ودُّهُمْ فليبعد

فلْتتركنَّهمُ بليلٍ ناقتي ... تذرُ السّماكَ وتهتدي بالفَرقدِ [1]

ويتجلّى هذا التخلي تخلي القبيلة عن شعرائها وأفرادها ـ حين تسوء علاقاتهم مع الملك ـ في ذلك الجفاء الذي لقيه طرفة بن العبد من قومه، وصدودهم عن نصرته، يوم قتل بأمر الملك عمرو بن هند على مرأى ومسمع من قومه دون أن يند عن القبيلة صوت يشجب فعلته، أو يحتج على بطشه على الرغم من أن طرفة قد سعى للقبيلة عن الملك كثيراُ لتحقيق غاياتها، أو يحتج على بطشه على الرغم من أن طرفة قد سعى للقبيلة عن الملك كثيرًا لتحقيق غاياتها، وقد أشار طرفة إلى ذلك وحمّل قومه وزر ما أصابه من أذى الملك، وأنحى عليهم باللائمة، ورماهم بالخديعة والمكر، قائلًا:

أسلمني قومي ولم يغضبوا ... لسوءَةٍ حلّتْ بهم فادحَهْ

كلُّ خليلٍ كنتُ خاللتُه ... لا تركَ اللهُ له واضحَهْ

كلُّهم أرْوغُ من ثعلبٍ ... ما أشبهَ اللّيلةَ بالبارحَهْ [2]

ولاشك في أن تواني تلك القبائل عن مساندة أفرادها في صراعهم مع الملوك يعزى إلى الرهبة التي كانت تستولي على نفوس تلك القبائل فتقعدها عن تأييدهم وشد أزرهم، فالقبائل كانت تحرص على إقامة علاقات حسنة مع الملوك وتظهر لهم الطاعة والإكبار، وتسعى دوما إلى تجنب النزاع معهم أو إثارة الخصومة ضدهم، فضلًا عن صفة التقديس والتأليه التي كان بعض العرب القدماء يسبغونها على الملوك وبموجبها يعد قتلهم حرامًا محرمًا، والمساس بهم أمرا غير جائز [3] ، بل ذهب بهم الظن أكثر من ذلك فعدوا

(1) ديوان شعره: 135.

(2) ديوانه: 26.

(3) دراسات في النقد الأدبي: 159.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت