فهرس الكتاب
الغدرُ والآفاتُ شِيمتُه ... فافهمْ، فعرقوبٌ له مثلُ [1]
وفي ضوء هذه الأخلاق فإن معاشرة الملوك مشوبة بالحذر والخوف، ولا تتهيأ هذه المعاشرة إلا لمن توافرت فيهم طباع تستجيب لطباع الملوك، وتخضع لأهوائهم فيديمون إرضاءهم، ولا يثيرون سخطهم، وإلا تعرضوا لغضبهم الذي طالما ينتهي بحز الرقاب وتكبيل الأيدي بالقيود، لأن من أخلاق الملك سرعة الغضب، وليس من أخلاقه سرعة الرضى [2] ، وقد حذروا من معاشرة الملوك، وخوفوا الناس من التقرب إليهم، فالصلة بهم لا تقوم على ود خالص، وصداقة متكافئة إنما هي علاقة يحكمها مزاج الملك وحده وغالبا ما يكون هذا المزاج متسمًا بالتلون المفاجيء والتقلب السريع، وكثيرًا ما يكون القتل أيسر السبل لتسكين سورته إذا ركبه الغضب، وقد تجسدت هذه النهاية المأساوية المفزعة من العلاقة بين الملك وندمائه في ابن عمار الطائي خطيب مذحج الذي بلغ النعمان حسن حديثه فحمله على منادمته، ثم أقدم على قتله بعد برهة، وكان الشاعر ابن قردودة قد نهاه عن منادمة الملك، بيد أنه لم يصغ لنصحه فدفع حياته ثمنًا لاصراره على منادمة الملك، والاتصال به، قال ابن قردودة معبرًا عن حقيقة الملك النعمان المخيفة التي أطلع ابن عمار عليها وحذره منها دون جدوى:
إني نهيتُ ابن عمّارٍ وقلتُ له: ... لا تأمننْ أحمرَ العينين والشَّرَرَهْ ... ےے rtlchےےltrch
إن الملوكَ متى تنزلْ بساحتهم ... تطِرْ بنارك من نيرانهم شَرَرَهْ
إن يقتلوك فلا نِكسٌ ولا ورعٌ ... عند اللقاءِ ولا هُوهاءةُ هُمَرَهْ [3]
ويكتسب التحذير قيمة خاصة حينما يكون صادرًا عن رجل لا يطلق الكلام جزافًا، ولا يسدي النصح هباء، وإنما ينطلق مما تمليه عليه تجارب سابقة عانى من مرارتها واكتوى بلظاها، فعدي بن زيد العبادي الذي يحذّر أخاه من القدوم إلى الحيرة يتحدث بلسان رجل خبير بأخلاق النعمان، راسف في قيده الدامي، مكابد لجرح نازف بعيد الغور أصيب به جراء ظلم الملك له، يقول محذرًا أخاه:
(1) ديوان شعره: 46.
(2) التاج في أخلاق الملوك: 95.
(3) شعر بكر بن وائل قبل الاسلام: 602 - 603، رجل هوهاءة: ضعيف الفؤاد جبان.