فهرس الكتاب
فأرضَك أرَضَكَ إنْ تأتِنَا ... تنمْ ليلةً ليس فيها حُلُمْ [1]
والمتلمس يحذر الشاعر طرفة بن العبد من مغبة البقاء في أرض فيها الملك عمرو بن هند ويحثه على النأي عنها والانصراف منها خوفًا على حياته من ملك همام ماضي الإرادة لا يرد له طلب، ولا يعصى له أمر، مذكرًا إياه بتجربته المرّة معه التي اضطرته إلى الهرب منه:
وفررت خشيةُ أن يكونِ حِباؤه ... عارًا يُسبُّ به قبيلي أَحْمَسُ [2]
و تركتُ حيَّ بني ضُبيعةً خشيةً ... أن يُؤثروا بدمي وجلديَ أملسِ [3]
ثكلتْك يا بنَ العبدِ أمُّك سادرًا ... أبِساحةِ الملكِ الهُمامِ تُمرَّس؟ [4]
فالملك تثور ثائرته لأوهى الدواعي وأتفه الأسباب، وكل ماله ـ في عرفه ـ جليل لا كفاء له يستوي أمامه مرتكب السيئة، صغيرة كانت أم كبيرة، فمن يذبح كبشًا له كمن يغتال فردًا من أهله الأدنين، فحرمة الملك لا تنقسم إلى مراتب ولا تصنف على درجات، والخوف منه واحد بغض الطرف عن مسبباته ودواعيه، فعلباء بن أرقم الذي ذبح كبشا من أكباش النعمان استشعر خوفًا أو أشعره قومه بخوف يعدل خوف رجل ملاحق بثأر من الملك، أو مطلوب منه بدم، قال:
أُخوَّفُ بالنُّعمانِ حتّى كأنَّما ... قتلتُ له خالًا كريمًا أو ابنَ عمْ [5]
إن خوف المتهم أو الظنين من عقوبة الملك قد يضطره إلى الاعتذار إليه فيخاطبه برقيق الكلام ليطلف قلبه ويزيل غضبه، ويعدل به عن عزمه في إمضاء الأمر المراد، وإنزال العقوبة المتوخاة، ولا بد للمعتذر ـ في هذه الحال ـ أن يعرف كيف يأخذ بقلب المعتذر إليه، وكيف يمسح أعطافه، ويستجلب رضاه، فإن إتيان المعتذر من باب الاحتجاج، وإقامة الدليل خطأ، لا سيما مع الملوك وذوي السلطان،
(1) ديوانه: 164.
(2) الحباء: ما يحبوبه أي يعطي الرجل صاحبه ويكرمه به، أحمس بن ضبيعة وهو جد أعلى للشاعر.
(3) جلدي أملس: أي لم يصيبني شيء، يقال للرجل لا يلصق به ذم هو أملس الجلد.
(4) ديوان شعره: 191 - 192، تمرس به: تحك وتعلق به.
(5) الأصمعيات: 159.