الصفحة 168 من 392

وحقه أن يطلف برهانه مدمجًا في التضرع والدخول تحت عفو الملك، وإعادة النظر في الكشف عن كذب الناقل، ولا يعترف بما لم يجنه خوف تكذيب سلطاته أو رئيسه، ويحيل الكذب على الناقل والحاسد [1] .

فالشاعر عدي بن زيد العبادي يوجه رسالة رقيقة إلى الملك النعمان فيها التلطف والخوف والاعتذار، يحاول فيها أن يستميل قلب النعمان إليه ليبرىء ساحته من تهمة ألصقت به وكدرت صفو حياته معه، فهو يقسم بأغلظ الأيمان بأنه بريء مما نسب إليه مصورًا نفسه راهبًا متبتلًا ترتعد فرائصه رهبة:

إذ أتاني نبأٌ من مُنِعمٍ ... لم أخُنْهُ والذي أعطى الخَبَرْ

قيل: حتّى جاءني مَصْدقُهُ ... ولقد يُلفى مع الصفو الكَدَرْ

أبلغِ النعمانَ عنّي مألكًا ... قولَ من خاف اضطنانًا فاعتذرْ [2]

إِنَّني والله فَاقْبَلْ حلفتي ... لأبيلٌ كلّما صلّى جَأَرْ [3]

مُرْعَدٌ أحشاؤه في هيكلٍ ... حسنٌ لِمّتُه وافي الشَّعَرْ [4]

فالشاعر حين يقع تحت طائلة وعيد الملك وتهديده بالعقوبة يساوره القلق وتستبد به مشاعر الخوف، فلا يرقأ له جفن ولا يهدأ له صدر، فيسعى حثيثا من خلال شعره إلى نفي التهمة عن نفسه مكذبًا خصومه الوشاة الذين لفقوا عليه الأقاويل، ونسبوا إليه التهم ليوغروا صدر الملك عليه قصد إيذائه، والنابغة الذبياني حين يظهر تخوفه من الملك النعمان يدرك تمامًا ماذا يعني غضب الملك عليه؟ ويعي شدة العقوبة التي سينزلها به بدفع من حساده وانسياقًا وراء أباطيلهم وأكاذبيهم، فيعتذر إليه ويطلعه على شدة معاناته بعد تلقيه وعيده، قائلًا:

أتاني ـ أبيتَ اللّعنَ ـ أنّك لُمتني ... وتِلْكَ التي أهتمُّ منها وأَنْصَبُ

(1) العمدة: 2/ 176.

(2) اضطنانا: التهمة، من الظن.

(3) أبيل: راهب.

(4) ديوانه: 60 - 61.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت