فهرس الكتاب
فبِتُّ كأنّ العائداتِ فرشْنَنِي ... هراسًا به يُعلى فراشي ويُقْشبُ
حلفتُ فلم أتركْ لنفسك ريبةً ... وليس وراء اللّهِ للمرءِ مذْهَبُ
لئن كنتُ قد بُلّغت عنّي خيانةً ... لمبلغك الواشي أغشُّ وأكذبُ [1]
إن الغضب الذي يمور في نفس الملك الناقم على الشاعر المتهم، لا تطفئ جذوته الأدلة والبراهين التي يسوقها لصرف نيته المعقودة على الانتقام إلى التفكير والرضا، بل يكون من الأجدى عليه والأنفع له، أن يتوخى اللين أو الرقة ـ للنفاذ إلى قلبه ـ مقرونًا بذكر سجاياه الحميدة التي يطرب لها ويهش لسماعها من سخاء وافر، ووفاء دائم وفضل سابغ وذمة محفوظة، وقد تجلى هذا النمط من الخطاب في قول عمرو بن قميئة الذي يمم وجهه صوب الملك المنذر مدفوعا بعاملين اثنين خوف يريد الفكاك منه، ومال يريد تطويقه به [2] .
والشاعر المسكون بالخوف من الملك والمعتذر إليه، يلجأ إلى ضروب القسم لاستلال الشك من نفسه وتفادي عقوبته على نحو ما يطالعنا به النابغة الذبياني في قوله:
لعَمري وما عُمْري عليَّ بهيّن ... لقد نطقتْ بُطلًا عليّ الأقارعُ
أقارعُ عوف لا أُحاولُ غيرها ... وجوهُ قرودٍ تبتغي من تجادعُ
أتاكَ امرؤٌ مستَبطِنٌ ليَ بِغْضةً ... له من عدوٍّ مثلَ ذلك شافعُ
أتاك بقولٍ هَلْهَلِ النَّسْجِ كاذبٍ ... ولم يأتِ بالحق الذي هو ناصعُ
أتاكَ بقولٍ لم أكن لأقوله ... ولو كِبلتْ في ساعديَّ الجوامعُ
حلفتُ فلم أترك لنفسكَ ريبةً ... وهل يأثمنْ ذو إمَّةٍ وهو طائعُ
بمصطحباتٍ من لصافٍ وثبْرةٍ ... يَزُرْنَ إِلالًا سيرُهُنَّ التدافعُ [3]
(1) ديوانه: 72.
(2) ينظر: ديوانه: ق 15 ب 17 - 24/ 71.
(3) ديوانه: 35 - 36، المصطحبات: يعني الإبل.