فهرس الكتاب
وقد يضطر الشاعر إلى مغادرة الوطن وترك الأهل والصحب تحاشيًا لبطش الملك وفتكه، وهربًا من جوره الذي لا يطيقه الحر، ولا يبيت عليه الكريم الأبي، فيأبى المكث على الرغم من وجود الحياة الرخية، فهذا سويد بن خذاق يؤثر ضآلة العيش مع الأمن على الوفر المقرون بالخوف والضيم، فوطنه الذي يمارس فيه عمرو ابن هند القهر تحوّل على يده جحيمًا لا تطاق، وقد تضافرت مع هذا الجور عوامل أخرى جعلت هذا الوطن مسكونًا بالأخطار، محفوفًا بالمخاوف التي ترغم الفرد على الرحيل عن أرضه ليذوق علقم غربته السياسية:
أبى القلبُ أن يأتي السّديرَ وأهلَه ... وإنْ قيل: عيشٌ بالسَّديرِ غزيرُ
به البَقُّ والحُمّى وأُسْدُ خَفيَّةٍ ... وعمرو بن هندٍ يعتدي ويجورُ [1]
وقد تؤخذ قبيلة برمتها بجريرة فرد من أفرادها فيلحقها من الملك أذى كبير، بيد أن حرص الفرد على القبيلة قد يدفعه إلى إبعادها عن دائرة الصراع مع الملك بمغادرتها لئلا يكون وجوده فيها ذريعة له للايقاع به وبالقبيلة معًا، فالمتلمس الضبعي، فارق قبيلته هربًا من سطوة الملك وخشية منه على مصير القبيلة التي توقع أن ينالها السوء من الملك بسببه [2] بيد أن البعد المكاني لا يستل الخوف من قلب الهارب من غضب الملك الذي تتضاءل أمام سلطته الأبعاد، وتضيق إزاء نفوذه المسافات على شساعتها، فالنابغة الذبياني يتقلب في منامه كالملدوغ لا يواتيه النوم خوفًا وفرقا من وعيد أبي قابوس على الرغم من نأيه عنه، فراكس والضواجع لا يردان الملك عن مبتغاه، ولا يوفران الحماية لخائف مذعور مثل النابغة [3] .
فقد تبين مما سبق أن للملك خوفًا ورهبة في النفوس، وكان الخائفون يبذلون قصارى ما في وسعهم من جهد وطاقة لكسب وده ونيل رضاه، ويحذر بعضهم بعضًا من سورة غضبه وسوء بطشه، وقد رسم دريد بن الصمة صورة جلية لتلك الرهبة حين نصح قومه بالتوقي من الملوك ونهاهم عن التغافل عنهم قائلًا: اسمعوا مني: أما أول ما انهاكم عنه، فأنهاكم عن محاربة الملوك، فإنهم كالسيل بالليل، لا تدري كيف
(1) الشعر والشعراء: 1/ 387.
(2) ينظر: ديوان شعره: ق9 ب9/ 191.
(3) ينظر: ديوانه: ق 2 ب 10 - 11/ 32 - 33.