فهرس الكتاب
تأتيه، ولا من أين يأتيك وإذا دنا منكم الملك واديًا فاقطعوا بينكم وبينه واديين، وإن أجديتم فلا ترعوا حمى الملوك وإن أذنوا فإن من رعاه غانما لم يرجع سالما [1] .
القيم الاجتماعية الذميمة:
والمقصود بها كل المعايب الناشئة من ممارسة أنماط مرفوضة من السلوك اجتماعيًا والتي تفضي بصاحبها إلى الازدراء والهوان وضعة الشأن، فقد زانت العربي في عصر ما قبل الإسلام قيم اجتماعية محمودة شكّلت معالم شخصيته ومنحته القدرة على التفاعل الحي مع الحياة بكل المعاني الوضاءة والمواقف النبيلة التي بها تقع المفاضلة بين الناس، وبها تتفاوت الأقدار في سلم النباهة والذكر، فالعدل وصون الوديعة وكتمان السر، ورفض المذلة، وحفظ حقوق الجار وسواها كثير كانت قيمًا جدّ العربي في طلبها، ولم يتوان عن ممارستها بدأبة المعهود، وإن كان عشقه لها، وكلفه بها، وحرصه على تواصلها، والوفاء لها، أركبه أصعب المراكب وكلفه ما غلا من مال ودم.
إن خوفه على هذه القيم من التشتت والاندثار أو ترجمته الأمينة، لمضامينها السامية نابع من إيمانه الراسخ بأن المجتمع في غيابها يفرغ من محتواه الأصيل، ويفقد مقومات الديمومة والاستمرار، فالحياة ليست مجموعة من الحاجات تشبع، إنما هي طائفة من القيم الناهضة تعاش بالانتماء الخالص إليها، والاندفاع الجاد لنشرها، فالنأي عن المقابح ليس مطلبًا سهل التحقيق، قريب المنال ما لم تتوافر الإرادة الحازمة التي تكبح جماح النفس عن الطيش والرذيلة، والنفس حين تتحرر من الحياء (الرقيب) إنما تتحرر من الخوف، فلا يبالي صاحبها ـ في هذه الحال ـ بما يصنع، ولا يعبأ بما يؤول إليه فعله من شين وهوان، غير أن نشدان الإنسان للذكر الطيب يقيّد خطوه عن الدنايا، ويحرضه على مغالبة هوى النفس، ورصد رغباتها بحذر وارتياب شديدين، فالخوف في هذا المقام خوف بنّاء، يرسخ المحامد إزاء إرادة الهدم المنقادة لهوى النفس، فحين يحتدم الصراع في داخل الإنسان بين قوتين إحداهما مندفعة تقوده إلى الشر، وأخرى متعلقة تخوّفه من مغبة التهور، وتحذره من الانسياق وراء ما تمليه عليه العاطفة دونما روية يكون الانحياز إلى الثانية هو القرار الصائب، فالإنصات إلى نداء المخاوف النابع من العقل الذي يرسم الطريق، ويقود إلى الصواب
(1) المعمرون والوصايا: 28.