فهرس الكتاب
انتصار للقيم الخيرة، كما أن هذه القيم النبيلة تصبح عرضة للانتهاك متى ما تحرر الإنسان من هذه المخاوف النافعة، وانقاد لهواه [1] . وقد يقوده خوفه من الرذيلة إلى الاستعانة بغيره للاهتداء إلى الصواب الذي يكسبه الحمد والثناء، قال سعية بن الغريض:
إذا ما يهتدي حلمي كفاني ... وأسألُ ذا البيانِ إذا عييتُ
وأجتنبُ المقاذعَ حيث كانتْ ... وأتركُ ما هويتُ لما خَشِيتُ [2]
لم يغفل الشاعر في لحظات هذا الصراع العنيف دور المشورة في التقليل من احتمالات الزلل، والوقاية من المعرة والعيوب، ففي المشورة قوة إنسانية مضافة قادرة على كبح جماح الجانب غير الإنساني في الإنسان.
إن قوة القيم الاجتماعية البناءة في ردع الأفراد، وتجنبيهم مهاوي الرداءة تبدو جلية فاعلة حين تتوافر الفرص لحالات السوء من أن تنشط، أو تطفو على السطح، لكن الخوف من المذمة، أو قبح الأحدوثة يضيق على هذه الفرص، ويحد من نشاطها، ويحمل الفرد على الإحجام عن الفعل القبيح على الرغم من توافر إمكانات الإقدام عليه، فإذا ما تخلى الفرد عن الحياء، وفك ارتباطه بالقيم الاجتماعية الحميدة أعطى مقادته لدواعي السوء، واستجاب لنوازع التمرد السلبي غير آبه بما يجره عليه فعله من شين وقبح يدنسان صفحات سيرته، قال عبيد بن عبد العزى السلامي:
وأَعرضُ عن أشياءَ لو شئتُ نِلتُها ... حياءً، إذا ما كان فيها مقاذعُ [3]
فالشاعر لا يغشى ما يقبح أثره، لا لعجز في وسائله، أو نقص في قدرته، فعناصر الفعل موجودة متوافرة، لكنها لا تُثار في حضرة الرادع الاجتماعي (الحياء) الذي يبصره بالنهاية المذمومة لمرتكب المقابح ويخوفه مغبة اللهاث وراء الأهواء التي تنزل به إلى الهاوية وتجلله بثوب المذلة والعار، فالكرم الذي ألفه المجتمع العربي، وألح في الدعوة إليه كان كفيلًا بمضامينه الشامخة بأن يكشف عن الوجه الكالح للبخل الذي
(1) ينظر: الخوف: 81.
(2) الأصمعيات: 84.
(3) قصائد جاهلية نادرة: 123.