فهرس الكتاب
لا يرتضيه إلاّ من استعد لقبول المذمة، وقد اتخذ الشعراء البخل ـ مرارًا ـ سلاحًا فتاكًا للنيل من خصومهم مدركين الأبعاد القبيحة له، لذا حرص الناس على بذل ما في طوقهم لإكرام الضيفان وإطعامهم، وإظهار البشاشة لهم خشية أن يعابوا إذا ما قصروا في هذا الواجب الذي لا يمكن التراخي فيه، فحاتم الطائي يأبى أن يجلس إلى المائدة وحده، ولا يسوغ له الطعام منفردًا، فطعامه شركة بينه وبين الآخرين لئلا يوصف بالبخل والكزازة، قائلًا:
أَيا ابنةَ عبدِ اللهِ، و ابنةَ مالكِ ... ويا ابنةَ ذي البُردين والفرسِ الورد
إذا ما صنعتِ الزادَ، فالتمسي له ... أكيلًا، فإنّي لستُ آكله وحدي
أخًا طارقًا، أوْ جارَ بيتٍ، فإنّني ... أخافُ مذمّاتِ الأحاديثِ مِنْ بَعْدي [1]
والشاعر عبد قيس بن خفاف ينصح ولده (جبيلًا) ويحذره من التواني في الواجب الملقى على عاتقه تجاه الضيف، ويخوفه بعقاب المجتمع الذي لا يغض الطرف عن المقصر في كرمه، فالضيف لا بد أن يذيع خبر ضيافته بين أهله، ويطلعهم على صورته الباعثة على الاستحسان أو الاستهجان، وعليه فإن الكريم لا يدخر جهدًا ولا يضن بمال لإرضاء ضيفه وكسب مودته، تفاديًا للمذمات وتحاشيًا للمطاعن، قال:
والضيفَ أكْرِمه، فإنّ مبيته ... حقٌّ، ولا تكُ لُعنْةً للنُّزَّل
وَ اعْلمْ بأنّ الضيفَ يخبرُ أهلَه ... بمبيتٍ ليلتهِ وإنْ لم يُسألِ [2]
كما أن الإفراط في الطعام جالب للمذمة، ومن هنا يأبى حاتم الطائي أن يقبل على طعامه دونما شركة، أو أن تمتد يده إليه قبل رهطه، بل إنه ليؤثر الجوع على الامتلاء مخافة أن ينعت بالشراهة أو يوصف بالاستئثار بالطعام فيتخذ ذلك ذريعة لذمه ومسوغًا للقدح فيه، قائلًا:
وإنّي لأستحيي صِحابيَ أنْ يروا ... مكانَ يدي، في جانبِ الزّادِ اقْرَعا
أُقصرُّ كفيّ أن تنالَ أكفَّهم ... إذا نحن أهوينا، وحاجاتُنا معا
(1) ديوانه: 43 - 44.
(2) الاصمعيات: 229.