الصفحة 174 من 392

أبيتُ خميصَ البطنِ مُضْطَمِرَ الحَشَى ... حياءً، أخافُ الذَّمَّ أنْ أتَضلَّعا [1]

فخوفه من أن يرمي باللؤم يهوّن عليه لذعة الجوع، ويصيره على معاناته منه قائلا:

لقد كنتُ أطوي البطنَ والزادُ يُشْتَهَى ... مخافةَ، يومًا، أنْ يقالَ: لئيمُ [2]

وأعسر أمتحان يواجهه المرء أن تودع عنده أمانة، أو يحفظ لديه سر، فإن صانهما كان أهلا للإكبار والتجلة، وإن خانهما صغر في الأعين، ولاكته الألسنة بما يشين ويؤلم، كل هذه المعاني بشقيها كانت مستقرة في وعي الشاعر قيس بن الخطيم الذي عبّر عن حرصه الشديد على الوديعة حتى رابه كل مكانٍ لا يداعه، ولو تهيأ له أن يودعها تحت جلده لفعل إمعانًا في الكتمان، وغرامًا بالقيم، واعتزازًا بالأصالة، وخوفًا من المذمة، قائلًا:

يا عمرو، إن تُسدِ الأمانةَ بينا ... فأنا الذي، إن خُنْتَها، يرعاها

يا عمرو، ليس أخو الأمانةِ بالذي ... ما رابه من خطّةٍ أفشاها

يا عمرو إنّ أخا الأمانةِ كاتمٌ ... لو يستطيعُ بجلدهِ أخفاها [3]

فالأمانة مسؤولية كبيرة بها يختبر جوهر الرجال، وبها يكشف عن معادنهم، وكان العربي أهلًا لحملها، والحفاظ عليها أحسن ما تكون المحافظة، وفي قصة السموأل مثل رائع للوفاء، وصورة مجسدة لذلك الخلق الرفيع، والنفس الأبية اللذين حملاه على الإيفاء بالتزاماته في الحياة، فأي امتحان أشد من أن يوضع امرؤ كالسموأل أمام خيارين مرّين لا ثالث لهما؟ إما أن يخون امرأ القيس فيسلم الأمانة إلى الحارث، أو أن تدق رقبة ابنه، وتطفأ جذوة الحياة فيه على مرأى منه، بيد أن إدراكه لعظم الأمانة حدا به إلى أن يرفض بإباء وشمم الانصياع لإرادة الجائر، أو التضاؤل أما م جلال الحدث، خشية أن تركبه سبة لا تمحى

(1) ديوانه: 68، أن أتضلع: أن امتلىء شبعا وريا.

(2) نفسه: 86، وينظر: لا مية العرب: ب 23/ 39، وينظر: ديوان الهذليين: 2/ 127 - 128.

(3) ديوانه: 215.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت