فهرس الكتاب
أو يلحقه عار لا يغسل، أو تنزل به لعنة لا تزول على مر الأيام، وتتابع الدهور، لقد أمضه مشهد ولده النازف دمًا، لكنه كان يستجمع قواه، ليتجرع غصص الغيظ، ويواجه الفاجعة بقلب شجاع، وجلد نادر النظير خشية أن يرمى بالخيانة أو يتهم بالغدر، لقد أبى إلا أن يكون وفيا لمن ائتمنه فاستحق بجداره أن يكون مضرب الأمثال في الوفاء، قال الأعشى مصورًا الموقف الموجع المقترن بالإصرار العنيد على الوفاء:
فقال: تَقْدِمَةً إذ قام يقتلُه ... أشرفْ سموألُ فانظُرْ للدَّمِ الجاري
أَأَقْتُلُ ابنكَ صبرًا أو تجيء بها ... طوعًا فأنكرَ هذا أيّ إنكار
فَشَكَّ أوداجَهُ والصدر في مضضٍ ... عليه منطويًا كاللذعِ بالنار
واختار أدراعه أن لا يُسبَّ بها ... ولم يكن عهدُه فيها بخَتّار
وقال لا أشتري عارًا بمكرُمةٍ ... فاختارَ مَكْرُمةَ الدُّنيا على العار
والصبر منه قديمًا شيمةٌ خُلقٌ ... وزندُه في الوفاءِ الثاقبُ الواري [1]
وكان الرجل إذا قطع على نفسه عهدًا الزم نفسه به ولا يجوز التنصل منه، ولا يمكن التهاون في شأنه، ومن هنا لا ينبغي له أن يطوق نفسه بعهد تقصر همته ـ فيما بعد ـ عن الوفاء به، لذا يكون التأني قبل اتخاذ القرار، والتقدير الدقيق لإمكانات التنفيذ خير معوان له لتفادي الندم الذي قد يتعرض له بسبب عجزه عن الإيفاء بما وعد فتهون منزلته، ويسوء رأي الآخرين فيه إذا أخلف، فمن يخاف المذمة يدأب على الثبات، ولا يلين له عزم، بل يصنع من (لا) معنى لا، ويفي بعهده إذا قال نعم، قال مثقب العبدي:
إنّ (لا) بعد (نعم) فاحشةٌ ... فبـ (لا) فابدأ إذ خفت النّدَمْ
فإذا قلتَ: (نعم) فاصبر لها ... بنجاح الوعد، إن الخلفَ ذَمْ
واعلَمَ أنّ الّذمَّ نقصٌ للفتى ... ومتى لا يتقِ الذّمَّ يُذّمْ [2]
ولا شك في أن البت في شؤون المتخاصمين، ووضع الحق في نصابه مهمة شاقة عسيرة أيضًا، لا ينهض بها سوى ذوي العقول الراجحة الذين يطمأن إلى عدلهم، وأمانتهم، ويوثق بنزاهتهم عن الأغراض
(1) ديوانه: 181.
(2) شعره:228.