فهرس الكتاب
والهوى، فإذا ما مال ميزان المحتكم إليه لطرف دون آخر، أو عدل عن جهته يشيع أمر جوره في الناس، فيكون ذلك مبعث معرّة له، وداعي تقويض لشموخه، فالرّبيع بن أبي الحقيق وقومه لا يحيدون عن الحق بل ينتصرون له خشية أن يوصفوا بالسفه، وقلة العناء وخمول الصمت:
إنا إذا نحْكُمُ في ديننا ... نرضى بحكمِ العادلِ الفاصل
لا نجعل الباطلَ حقًا، ولا ... نلطُّ دون الحقِ بالباطلِ [1]
نخافُ أن نسفهَ أحلامنُا ... فتخْملَ الدهرَ مع الخاملِ [2]
وقد نالت الفروسية في المجتمع العربي قيمة خاصة، وحظيت بمكانة رفيعة وآية ذلك دأبهم على تنشئة أبنائهم على فنون القتال والحرب لأعدائهم لساعة الملمة، ويوم الكريهة، وقد صرفتهم هذه العناية ـ لا سيما أبناء البادية ـ عن سواها، فأنفوا من الاشتغال بالزراعة وما إليها من المهن، وساءت نظرتهم إلى هذه المهن حتى بدت كأنها من المهام التي لا تليق بهم، ويجب تركها لغيرهم ممن يعدّون أقل شأنًا منهم [3] ، وبوحي من هذه النظرة المتدنية إلى هذه المهن يريد الشاعر زبان بن سيّار الفزاري أن يهيّىء ابنه للزعامة، ويعده لكل أمر عظيم، ويخشى أن لا تتحقق له هذه الأمنية التي تراوده فيضطر ابنه إلى الاشتغال بالزراعة التي يعز عليه أن يرى ابنه منصرفًا إليها، معنيا بشؤونها، فيكون عرضة للازدراء، وهو يريده سيدا رفيع المقام، قال:
ما جئتَ حتّى آيسَ الناسُ أنْ تجيء ... فسُمّيتَ منظورًا وجئتَ على قَدْر
وإنّي لأرجو أنْ تجيءَ كهاشمٍ ... وإني لأرجو أن تسودَ بني بدْر
وإنّي لأخشى أنْ يكونَ محاملًا ... بخيبر ميّارًا حريصًا على التَّمْرِ [4]
(1) لط الشيء: ستره أو كتمه.
(2) طبقات فحول الشعراء: 1/ 282.
(3) تأريخ الادب العربي (بلاشير) : 23، وينظر: في تأريخ الأدب العربي: 59.
(4) شعر قبيلة ذبيان في الجاهلية: 367، الميّار: الذي يحترف التمر.