الصفحة 17 من 392

الثالث للهجرة، وما زال يمتلك رنينًا وصدى بين المعنيين إلى يومنا هذا [1] ، وليس الدارس لموضوع الخوف بعامد إلى الخوض فيما أثاره هؤلاء من خلاف، غير أن أمرًا واحدًا قد بات مستقرا في وعيه، هو إن الخوف يغشى النفس الإنسانية فيأتيها طورًا طفيفًا هينًا وآخر عنيفًا وثالثًا يقع بين أكناف هذين الطورين يتفاوت من حال إلى حال، ومن خائف إلى خائف، ومرد ذلك إلى نوع الخطر المثير للخوف، ومقدار الخوف الذي يستشعره الخائف بمقتضى ما يكمن فيه من استعداد أو استجابة لمواجهة المأزق أو تحديه، أو التضاؤل أمامه، والإذعان لسطوته، وفي ضوء هذه الأبعاد أدرج الخوف في مستويات، أو كما أسماها الهمذاني"أجناسًا" [2] ، ولكل جنس لفظة تعبر عنه وتزن مدلوله بما يتناسب وعظم المكروه على وفق ما تحمل تلك اللفظة من ظل وإثارة وإيحاء، منها [3] :

الجبن: ضعف في القلب يحجم المرء عن الأقدام على كل شيء ليلًا ونهارًا [4] ، والموصوف به لا يصدّق سوى مخاوفه التي ينقاد أمامها مطواعًا، ويستسلم لهولها مذعانًا، قال قيس بن عيزارة يصف أخاه بالحزم والشجاعة:

وإذا جبانُ القومِ صدّقَ روعَه ... حَيْضُ القِسيِّ وضربةٌ أُخدودُ

ألفيتَه يحمي المُضافَ كأنّه ... صيحاءُ تحمي شِبلها وتحيدُ [5]

الحذر: تيقظ أو احتراز عن مخيف [6] ، أو هو التحفظ مما لم يكن إذا علم أنه يكون أو ظن ذلك [7] . ومنه ما جاء في قول عروة بن الورد:

(1) ينظر: الترادف في اللغة: 46 - 47، والإعجاز البياني للقرآن ومسائل ابن الأزرق: 194 - 198.

(2) الألفاظ الكتابية: 71.

(3) نسوق هذه المفردات على وفق حروف الهجاء.

(4) المخصص: 3/ 61، والمفردات في غريب القرآن:87، ولسان العرب: 1/ 539.

(5) ديوان الهذليين: 3/ 73 - 74، وينظر: ضمرة بن ضمرة النهشلي، أخباره وما بقي من شعره (في مجلة) : ق ب1/ 116، وشعر ربيعة بن مقروم الضبي (في مجلة) : ق 19 ب 19/ 384، وشرح ديوان زهير بن أبي سلمى:365.

(6) مقاييس اللغة:2/ 37، الصحاح: 2/ 626، والمفردات في غريب القرآن:111.

(7) الفروق في اللغة: 236.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت