الصفحة 178 من 392

فلا تُتبعِ الأفعى يديكَ تنوشُها ... ودعْها إذا ما غيَّبتها سَفاتُها [1]

وأطفئْ ولا تُوقدْ ولا تكُ مِحْضأً ... لنارٍ العداة أنْ تطير شكاتُها [2]

وكان بعض العرب ينقش صورة حيتين على سيفه ويسميه ب (ذي الحيات) إشارة إلى قوته وامعانًا منه في تخويف أعدائه، فالحارث بن ظالم المري الذي افتخر بفعله البطولي في قتل ابن النعمان بن المنذر، نفّد إرادته الشجاعة (بذي الحيات) قائلًا:

علوتُ بذي الحيّاتِ مَفْرِقَ رأسهِ ... وهل يركبُ المكروهَ إلاَّ الأكارمُ [3]

وقد تستعير القبيلة تسمية"الحية"فتطلقها على نفسها لتؤشر جانب المنعة والمكنة فيها، فضلًا عن أبعاد هذه القوة وما تخلفها في نفوس الخصوم من رهبة تحملهم على تحاشي الصدام واضعين نصب أعينهم صورة الحية وما فيها من لدد في الخصومة، وقدرة على الإيذاء، قال ذو الإصبع العدواني:

عذيرَ الحيِّ مِنْ عدوا ... نَ كانوا حيّةَ الأرض

بغى بعضهمُ بعضًا ... فلم يُبقوا على بعضِ [4]

وحية سلع معروفة بشدة اندفاعها وصرامتها وإصرارها على القتل، وقد وجد الأعشى في هذه السمات رابطة واشجة بينها وبين الفارس المقدام، فالخطر الذي يشكله ممدوحه على الأعداء مواز لخطر الحية على الناس، فالأعداء يحيدون عن الممدوح في سوح الوغى وينفرون منه كأنهم في مواجهة حية سلع الفاتكة:

يراك الأعادي على رغمهم ... تحلُّ عليهم محلاًّ عويصا

كحيّةِ سَلْعٍ من القاتلاتِ ... تقُدُّ الصرامةُ عنكَ القميصا

إذا ما بدا بدوةً للعيونِ ... تذكَّر ذو الضّغْنِ منه المَحيصا [5]

(1) السفاة: التراب.

(2) ديوان الهذليين: 1/ 163، وينظر: ديوان الأعشى: 22/ 85، المحضأ: العود الذي تقدح به النار.

(3) الحارث بن ظالم المري الوافي الفاتك: 374.

(4) ديوانه: 46.

(5) ديوانه: 207.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت