الصفحة 179 من 392

ولا شك في أن الأرض العربية التي جاب العربي أرجاءها، ووطئت قدماه أديمها بالتنقل والأسفار منحته القدرة الفائقة على التمييز بين ضروب من الحيات تتباين في مراتب الخطر الذي تهدد به حياة اللديغ، فلدغة الحية الرقشاء والحية المعمرة التي تتابعت عليها السنون تنذر بشر هائل لشدة سمها فيكون ذلك مدعاة للخوف على حياة المصاب بها، وقد وجد النابغة الذبياني في هذه الحيات وما تثيره من ذعر يقترن بالتجربة الواقعية فرصة سانحة لعكس همومه التي طغت عليه وملأت نفسه، وأقضت مضجعه على أثر الوعيد الذي تلقاه من الملك النعمان [1] .

والصل الذي هو أخبث الحيات وأكثرها عزمًا على الانتقام والإيذاء يقرن تأبط شرا به صورة ابن أخته في دأبه المستمر على الأخذ بالثأر والانتقام من المعتدي [2] ، وقد اصطفى الشاعر الصل لخلق الموقف المفزع والدلالة عليه.

الأسد:

الأسد من الحيوانات التي ألفتها البيئة العربية المعروفة بمواضع ضرب بأسودها المثل في الكثرة والشراسة [3] ، وقد استأثر هذا الحيوان باهتمام الشعراء فتناولوه في أشعارهم ـ لا سيما الفخر والمديح ـ مظهرين جانب القوة والبطش فيه، واصفين ما في هيئته من قبح وبشاعة يبعثان على الرهبة منه، والانصراف عنه، وقد وقف امرؤ القيس ـ في قصيدة طويله له ـ عند الأسد ذاكرًا طبائعه وسلاحه في الصولة والهجوم، مازجًا صفاته الحسية بالمعنوية لإظهار الصورة المؤثرة في النفس رهبة وخوفًا [4] . ولزئير الأسد في النفوس رهبة وخوف لما ينذر به من شرٍّ وأذى يعقبان غضبه أو ثورته العارمة المؤذنة بالانتقام والبطش، وقد يصرع به الخصم ويذهله عن نفسه ويحمله على الخضوع قبل أن ينشب فيه أنيابه ومخالبه، فالنابغة الذبياني

(1) ينظر: ديوانه: ق 2 ب 11 - 13/ 33 - 34.

(2) ينظر: شعره: ق 25 ب 2 - 4/ 164

(3) صفة جزيرة العرب: 240.

(4) ينظر: ديوانه: ق 76 ب1 - 50/ 312 - 318.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت