فهرس الكتاب
والأسد واحد من مصادر أربعة تضافرت على الشاعر سلامة بن جندل فأفزعته وعجز عن مواجهتها مواجهة متحدية، فآثر بسببها الناي عن السدير ذات النعمة الوفيرة، والعيش الرغيد، لإيمانه إيمانًا لا يشوبه ريب بأن طراوة العيش ويسر الحال لا يقدمان له البديل عن الطمأنينة وهدوء البال اللذين يفتقدهما في ظل أربعة مخاوف فتاكة ـ منها الأسد ـ خالطت صدره فأرته قتامة الحياة، وحجبت عنه موفور الخصب قائلًا:
أبى القلبُ أنْ يأتي السّديرَ وأهلَه ... وإنْ قيل: عيشٌ بالسَّديرِ غزيرُ
به البقُّ والحُمّى وأُسْدُ خَفّيةٍ ... وعمرو بن هندٍ يعتدي ويجورُ [1]
إن الصورة المرعبة للأسد التي استقرت في ذهن الشاعر جعلته يخلع صفاته على فرسان قومه وأبطالهم تباهيا بقوتهم وافتخارًا بشجاعتهم وإيحاء بالفزع الذي يملأون به قلوب خصومهم لحظة النزال، فالخصوم في زعم الشاعر المزهو لا يواجهون رجالًا، إنّما يواجهون أسودا ضاربة متحفزة للوثب، متأهبة للبطش، قال زهير:
بِخيْلٍ عليها جِنَّةٌ عبقريّةٌ ... جديرونَ يومًا أنْ ينالوا ويستعلوا
عليها أسودٌ ضارياتٌ لَبوسُهم ... سوابغُ بيضٌ لا يُخَرِّقُها النّبلُ [2]
الذئب:
كثر الذئب في الجزيرة العربية وصحاراها، واسترعى وجوده انتباه الشاعر، فوصفه كلما وجد صلة رابطة بينه وبين الإنسان في صفاتها المادية والمعنوية، ولكن الغالب في الأمر هو إظهار الجانب المرهوب منه المتمثل بالضراوة وشدة البأس، فاستقرت صورته المقرونة بالرعب في ذهن الشاعر لا سيما ذئب الغضى الذي ذاع صيته لخبثه وضراوته، قال امرؤ القيس:
بعثْنا ربيئًا قبل ذلك مُخْمِلًا ... كذئبِ الغضى يمشي الضَّراءَ
(1) ديوانه: 240 - 241.
(2) شرح ديوانه: 103، وينظر: 22 - 23، وديوان قيس بن الخطيم: ق 8 ب 7/ 140، وق 16 ب 10/ 194.