الصفحة 182 من 392

ويتَّقي [1]

إن جرأة الذئب على بلوغ مآربه، واصراره على تنفيذ إرادته غير آبه بشيء باتا سمتين ملازمتين له توجبان الحذر منه، والانتباه إليه، فقد أشار امرؤ القيس إلى هذا التصميم في معرض كلامه على دأب الإنسان على السوء وارتكابه المقابح على الرغم من ضعفه ووهنه، مشبهًا إياه بالذئاب المجلحة:

أرانا موضعين لأمر غيبٍ ... ونسحرُ بالطعام وبالشراب

عصافيرٌ وَ ذِبَّانٌ ودودٌ ... وأَجْرأُ من مجلَّحةِ الذئاب [2]

ومثلما يثير زئير الأسد الرعب في النفوس، فإن عواء الذئب لا يقل شأنا عنه في إحداث أصداء مخيفة فيها قبل انقضاضه على فريسته، وقد أظهر الأعشى هذا التأثير المرعب عند تشبيهه عيني حبيبته بعيني البقرة الوحشية التي أفزعها عواء الذئب فهبت مذعورة قلقة، وقد أبى عليها النوم واتسعت حدقتاها جراء تحريها الجهة التي ندَّ عنها صوت الذئب المخيف:

وعينِ وحشيّةٍ أغفتْ فأرَّقَها ... صوتُ الذئابِ فأوفتْ نحوَه دابا [3]

وحين يكون الخوف من عواء الذئب حالة عامة سائدة يكون للاستثناء الذي يخالفها ويسمو عليها طابع التمييز الذي يسوغ الفخر، ويدعو إلى الإعجاب فالمزرد ابن ضرار الذي لا يبالي عواء الذئب وينفي عن نفسه الخوف، منه يجعل ذلك موجبا للفخر، وأمارة على ثبات الجنان، ورباطة الجأش أمام أمر تهتز من هوله القلوب فَرقًا:

وقد كان صوتُ الذئبِ لا يستفزُّني ... ولا برقُ جِلبٍ في كذوبٍ مُغيَّمِ [4]

إن ارتياد الشاعر الامكنة التي تأوي إليها الذئاب يعد أمارة من أمارات الشجاعة، والجلد، وهذا أمر لا يتأتى للخائف الوجل، فالوادي الذي يقطعه تأبط شرًا، مفعم بعوامل مخيفة، فهو عار عما يديم

(1) ديوانه: 172، مخملا: يخمل نفسه أي يخفيها، الضراء: مشية فيها اختيال.

(2) نفسه: 97، مجلحة: المصممة على الشيء لا ترجع عما تريد.

(3) ديوانه: 361.

(4) ديوانه: 27، جلب: سحاب لا ماء فيه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت