الصفحة 184 من 392

كمشيّ الأقْبلِ الساري عليها ... عِفاءٌ كالعباءة عَفْشليلُ [1]

فذاحتْ بالوتائر ثم بدَّتْ ... يديها عند جانبه تهيلُ [2]

هناك حين يتركه ويغدو ... سَليبًا ليس في يده فتيلُ [3]

إن الخوف من السقوط قتيلًا في العراء مبعثه يقين المرء بأنه سيصبح طعمة للضبع التي تمزق جسده وتفرقه إربا إربا، وقد صوّر الشعراء تصويرًا فنيًا دقيقًا الخوف من هذا الحيوان الذي ينشب أنيابه، ومخالبه في الجثث ويعمل فيها نهشا وحزًا ليجعلها طعامًا سائغًا يذهب به جوعه، ويلبي به حاجة جرائه [4] .

وقد لاذ تأبط شرًا بالفرار لئلا يقع بيد أعدائه فيقتل في صحراء فيكون طعمة للضباع، فنجاته من مطارديه نجاة من هذه الضباع التي يجد فيها الصورة الحقيقية للموت الزؤام، يقول:

فزحزحتُ عنهم أو تجئني منيَّتي ... بغبراءَ أو عرفاءَ تفري الدفائنا

كأنّي أراها الموتَ لا درَّ درُّها ... إذا أمكنتْ أنيابَها وَ البراثنا [5]

خوف الحيوان من الإنسان:

لا شك في أن الخوف انفعال ينتاب الإنسان والحيوان على حد سواء وقد توجهت العناية في المحور السابق إلى إظهار مشاعر الخوف لدى الإنسان حين يكون الحيوان باعثًا عليها ومثيرًا لها، وقد حان الوقت للحديث عن الخوف الذي يكابده الحيوان حين يداهم بخطر الإنسان المتمثل بالصائد في إطار لوحة الصيد ذات الأطراف الثلاثة، وقد عرض الشعراء لخوف الطريدة من الصائد لدى حديثهم عن رواحلهم التي يصفونها بالسرعة الخارقة كما لو كانت مطاردة من قوى تبث فيها الخوف، وتحفزها على التهام الأرض، وطي المسافات، ومن هذه الحيوانات الخائفة الحمارا لوحشي الذي يذعر من القناص،

(1) الأقيل: الذي في عينه قبل شبيه بالحول، العفاء: ا لوير، العفشليل: الجافي.

(2) ذاحت: مرت مرا سريعًا سهلًا، الوتائر: طرائق مرتفعة من الأرض.

(3) ديوان الهذليين: 1/ 215 - 217.

(4) ينظر: نفسه: 2/ 79 - 80.

(5) شعره: 147، وينظر: شرح أشعار الهذليين: 1/ 464.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت