فهرس الكتاب
ويحس بالخطر حين وروده مشارب المياه حيث يكمنون على مقربة منها يتربصون به لينالوا منه غرة، بيد أنه مدمن على الحذر، وممعن في اليقظة يتحاشى الوقوع في قبضتهم، فيعدل عن مبتغاه، ويحيد عن مقصده إذا حدثته نفسه بما يخيف، أو زينت له الإحجام عن الشرب، فهو يصدق هواجسه ولا يثق بعينيه إذا تراءت له عيون الماء كالمطمئنة، قال صخر الغي:
كلا العِلجينِ أصْعَرُ صَيْعَريٌ ... تخال نسيلَ متنيه الثَّغاما [1]
فباتا يأملان مياهَ بدرٍ ... وخافا راميًا عنه فخاما [2]
فراغا ناجيين وقام يرمي ... فآبتْ نبله قِصدًا حطاما [3]
إن القلق والحيرة والتشبت بالحياة الذي يساوره عند ورود الماء، أو قبله له ما يسوغه، فالصيادون مواظبون على الرصد والمراقبة، ومتأهبون للانطلاق ينتظرون اللحظة التي تغريهم بالتحرك باتجاه الفعل المؤثر في القنص:
صافا يطوفُ بها على قُلَلِ الصُّوى ... وَ شتا كَذَلْقِ الزُّجِّ غيرُ مقهَّد
خافا عُميرةَ أن يصادفَ وِردها ... وابنُ البليدةِ قاعدٌ بالمرْصَدِ [4]
ومن هنا فإن الحمار يتريث، ولا يتهافت على الماء تهافت الجاهل بعواقب الإقدام بل يدقق النظر في كل الاحتمالات المتوقعة التي قد تحف به، وتوقعه في حبائل العازمين على قنصه، قال لبيد:
ظلَّت تخالجُه وَ ظَّل يحوطُها ... طورًا ويربأُ فوقَها وَ يحومُ
يُوفي ويرتقبُ النِجادَ كأنَّهُ ... ذو إربة كلّ المرامِ يرومُ
حتّى تهجَّرَ في الرواحِ وهاجَهُ ... طلبُ المُعقِّبِ حقَّه المظلومُ [5]
(1) الصيعري: الذي يلوى عنقه، النسيل: ما تطاير من شعره، الثغام: شجر أبيض.
(2) خاما: حادا عنه.
(3) ديوان الهذليين: 2/ 64، وينظر: شرح ديوان زهير: 271.
(4) شرح ديوان زهير: 271، عميرة وابن البليدة: صائدان.
(5) شرح ديوان لبيد: 127 - 128.