الصفحة 186 من 392

ولم تنته عناية الشاعر بإدارة الصراع بين الحمار والصائد في إطار الكر والفر حسب، بل تخطى ذلك إلى الإنفعالات النفسية المفزعة التي تموج وتضطرب في داخله وهو يروم مورده لينهل منه شرابًا سائغًا لا يغص به ولا يكون ذريعة لا يقاف النبض فيه، وانتزاع الحياة منه، قال زهير:

حتى إذا لَوْحُ الكواكبِ شفَّهُ ... منه الحرائرُ وَ السًّفا المُتنصِّبُ

ارتاعَ يذكر مشربًا بِثمادهِ ... وَ من دونه خُشعٌ دنونَ وأنقُبُ

عزمَ الورودَ فآبَ عذبًا باردًا ... من فوقه سدٌّ يسيلُ وألهُبُ

جُفَرٌ تفيضُ ولا تغيضُ طواميًا ... يزْخَرْنَ فوق جِمامهنّ الطّحْلُبُ

فاعتامه عند الظلام فسامَهُ ... ثم انتهى حذرَ المنيةِ يرقُبُ [1]

وعلى الشّريعة رابئٌ مُتحلِّسٌ ... رامٍ بعينيه الحظيرةَ شيربُ [2]

ويشن الصائد حربًا لا هوادة فيها على الثور الوحشي، فهو لا يكف ولا يفتر عن مطاردته والإيقاع به كلما سنحت له الفرصة بذلك، غير أن الثور يدرك ما يضمره له الصائد في نفسه فيحتاط منه، ويتابع حركاته المثيرة للقلق، ويحرص على معرفة الجهة التي سيداهمه منها، فإذا ما سمع منه نبأة ضاقت نفسه، وارتعدت فرائصه، وأحس إحساسًا قويًا بالخطر يهدده، وبالموت يدنو منه، قال بشر بن أبي خازم مشبها ناقته به:

تراها إذا ما الال خَبَّ كأنّها ... فريدٌ بذي بُركان طاوٍ مُلمَّعُ

له كلَّ يوم نبأةٌ من مُكلِّبٍ ... تريهِ حياضَ الموتِ ثمَّتَ تقلعُ [3]

أما الثور الذي شبه النابغة به ناقته فقد أحاطت به عوامل الخوف من كل صوب، فهو منفرد يستوحش المكان، وقد قست عليه الطبيعة بقتامة الليل، ورشقات المطر، ولسعات البرد، ولذعات

(1) اعتامه: قصده.

(2) شرح ديوانه: 374 - 376، متحلس: مقيم لا يبرح مكانه.

(3) ديوانه: 120، النبأة: الصوت الخفي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت