فهرس الكتاب
الجوع، فأسلمته إلى الضعف واليأس، وقد تضاعف قلقه، وتعمق خطبه، إذ تناهى إلى سمعه صوت صائد يريد أن ينال منه مقتلا، فبات ليلته مذعورًا مؤرقًا لا يخلد إلى رقاد، ولا تسكن له جارحة:
كأنّ رحْلِي، وقد زال النهارُ بِنا ... يوم الجليلِ على مستأنسٍ وَحَدِ [1]
من وحشِ وجرةَ مَوشِيٍّ أكارعُه ... طاوي المصير كسيفِ الصَّيْقلِ الفَرِدِ [2]
أسْرتْ عليه من الجوزاءِ ساريَةٌ ... تُزْجي الشَّمالَ عليه جامدَ البَرَد
فارتاعَ من صوتِ كلاَّبٍ فبات له ... طوعَ الشوامتِ من خوفٍ ومن صَرَدِ [3]
ويشكل القنّاص مصدر خوف ورعب للبقرة الوحشية التي تعمل جاهدة على تفادي الصدام مع الصيادين الذين لا يتوانون عن مطاردتها ومباغتتها، فالبقرة الوحشية البائسة القلقة التي وصفها لبيد والتي جارت عليها الطبيعة، وامتحنت بفقد ولدها وفلذة كبدها، راعها صوت ... خفيف من خصمها المعهود (الصائد) فأطلقت للريح أرجلها لائذة بالهرب فرارا من أذاه، ودفعا لنكايته فيها، لكنها تهرب على غير هدى منها، ولا تدري إلى أين تتجه؟ من يدري فقد يزجيها، هربها إلى موضع المخافة نفسه، إنه شعور الخائف المذعور حين تتعطل قواه تحت سطوة الخوف فيفقد مقدرة التمييز بين مكمن الخطر ومأمن المستغيث:
وتوجستْ زرَّ الأنيسِ فراعها ... عن ظهر غيبٍ والأنيسُ سقامُهَا
فَغَدَتْ كلا الفرجين تحسبُ أنّه ... مولى المخافةِ خلفُها وَ أمامُها [4]
أما النعامة فهي عدّاءة يعجز الفرس عن اللحاق بها في العدو، وقد قرن الشعراء رواحلهم بها لينعتوها بالسرعة الفائقة، ويظهروها بمظاهر الحدة والنشاط، فنشاط النعامة يعلو إذا أرعبها القناص أو داخلها فزع منه، وانطلاقًا من هذه الصورة العالقة بذهن الشاعر جعل الحارث ابن حلزِّة ناقته نِدًا لنعامة التمس لها سببين مهمين زادا من إحساسها بالخوف، وإمعانها في الهرب، أولهما عاطفة الأمومة المفعمة
(1) الجليل: شجر، وهو الثمام.
(2) من وحش وجرة: أي أن الثور من وحش هذه الفلاة.
(3) ديوانه: 17 - 18، طوع الشوامت: أي بات مبيت سوء من برد وجوع.
(4) شرح ديوان لبيد: 211.