الظواهر المخيفة التي استرعت انتباه الشاعر، وكان لها صدى في شعره، المطر والريح والرعد والبرق وما إليها. ولاشك في أن الماء رمز للحياة والانبعاث، ولهذا حظي بالاهتمام والإجلال لا سيما في البلاد التي تعاني الجفاف، واحتباس المطر كالجزيرة العربية التي تتهلل وجوه أبنائها إذا أصابهم الغيث، ويعلوها الوجوم إذا أمسكت السماء عنهم، وتمكن الجدب منهم، فلم يكن احتباس المطر يهون على العربي في تلك البيئة القاسية، فقد كان غياب المطر يقلقه، وانقطاعه يؤرقه، وليس أدل على لهفته له، وحاجته إليه، وخوفه من استمرار امتناعه عليه من ترقبه السماء وتوسله إليها لأن تفتح عليه بماء يفرّج كربه، ويضع عنه وزر انتظاره المعذب [1] فضلًا عن طقوس الاستسقاء التي عبّرت عن مخاوف الجدب، وأفصحت عن الرغبة الملحة في إدامة الحياة، قال أمية بن أبي الصلت:
سَنةٌ أزْمةٌ تخيَّل بالنَّا ... سِ ترى للعضاةِ فيها صريرا [2]
لا على كوكب ينوءُ، ولا ريـ ... ـحٍ جَنوبٍ ولا ترى طَخْرُورا [3]
إذ يسفُّون بالدقيقِ وكانوا ... قبلُ لا يأكلون شيئًا فَطيرا [4]
ويسوقون باقرَ السهل للطّو ... دِ مهازيلَ خشيةً أنْ تبورا [5]
عاقدين النيران في شُكرِ ... بِ عمدًا كيما تهيج البحورا [6]
(1) ينظر: ديوان امرىء القيس: ق 1 ب 67 - 70/ 24، ق 68 ب 1 - 2/ 281.
(2) السنة: سنة الجدب، تخيل: تلون.
(3) الطخرور: اللطخ من السحاب.
(4) يسفون بالدقيق: يأخذونه غير ملتوت.
(5) تبور: تهلك.
(6) أمية بن أبي الصلت حياته وشعره: 212 - 213.