الصفحة 195 من 392

الأذْنا

بيد أن المطر لا يكون متبوعا بالخير والنعمة دائمًا، فقد ينهمر غزيرًا فيكون عنصر شر للإنسان وعامل تدمير لما يملك، فالسيول العاتية التي تعقب الأمطار وتجرف ما يصادفها من أسباب الحياة كفيلة بإشاعة الكوارث، وتعميم الدمار ومن هنا يصح القول بأن المطر عنصر يحمل ثنائية متناقضة ويؤدي دورًا مزدوجًا [1] لأنه يمنح البهجة والألق والحياة، وقد يجلب الحزن، والإنطفاء والفناء، وكان الشاعر يعي هذه الحقيقة، فكان إذا وقف على أطلال الحبيبة داعيًا لها بالسقيا لا يجعل دعاءه مطلقا سائبا من كل شرط، بل يتبعه بقوله: (غير مفسدها) انحيازا إلى الحياة ونفورا من المطر الموت مع احساس كبير بقدرة المطر على صنع الفعلين، قال طرفة:

فسقى بِلادكَ غيرَ مُفسْدِها ... صوبُ الربيعِ، وديمةٌ تَهْمِي [2]

إن آثار التخريب والإمحاء التي تتراءى للشاعر في الوقفة الطللية تريه الصورة المهولة للمطر المدمر فيحس معها الهواجس وتنتابه الرهبة، فيظهر قدرة المطر التدميرية من خلال نعته بنعوت تدل على الكثرة والتدفق والتتابع [3] ، كما قرن الشاعر فعل المطر المخيف وما

(1) مقالات في الشعر الجاهلي: 137، والمطر في الشعر الجاهلي: 20، 133، وظاهرة الصراع في النص الشعري قبل الإسلام: 68.

(2) ديوانه: 146.

(3) ينظر: ديوان بشر بن أبي خازم: ق 4 ب 2/ 20، وديوان امرى ء القيس: ق2 ب4/ 7، وديوان طرفة: ق12 ب117/ 301، وديوان النابغة الذبياني: ق 25 ب 2/ 137.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت