يحدثه في الأطلال من تغيير وتقلب بفعل الزمن الذي لا يبقي على شيء، ولا يأمنه أحد، لدأبه على الغدر والنوائب، قال طرفة:
وبالسَّفْحِ آياتٌ كأنّ رسومَها ... يمانٍ وشَتْهُ ريدة وسَحُولُ [1]
أربَّتْ بها ناجةٌ تزدهي الحصى ... وأسحمُ وكّافُ العشيّ هطولُ [2]
فغيَّرنَ آياتِ الديار مع البِلى ... وليس على ريبِ الزّمانِ كفيل [3]
ويأتي مطر امرىء القيس مفزعًا مدمرًا لا يبقي ولا يذر، يأتي على أصول الأشجار، وينسف البيوت، ويدخل الرعب في قلوب الحيوان، فيكرهه على مغادرة مخبئه، حتى يبدو الجبل في حضرة هذا الحادث الكوني العظيم مفقود الألفة، شديد الايحاش، فالشاعر في وصفه المطر وهوله كأنما يصف"قيامة غير عادية، أو هزة كبرى تنسخ التجارب اليومية المألوفة" [4] ، بيد أن الطمأنينة تعود إلى القلوب بعد رعشة الخوف التي لم تكن إلا إيذانا بحلول البركة، وولادة الخصب:
وأضحى يسِحُّ الماءَ عن كلِّ فيقةِ ... يكُبُّ على الأذقان دَوْحَ الكَنَهْبلِ [5]
(1) ربدة وسحول: قريتان باليمن تنسج فيهما الثياب.
(2) أربت بها: لزمتها، ناجة: ريح شديدة، سحم: سحاب أسود لكثرة ماء.
(3) ديوانه: 117.
(4) قراءة ثانية لشعرنا القديم: 127 - 128.
(5) فيقة: ما بين الحلبتين، والكنهبل: ما عظم من شجر العضاة.