الصفحة 200 من 392

منكَرِسًا تحتَ الغصونِ كما ... أحنى على شماله الصّيْقَلْ [1]

وفي ضوء الصورة الرهيبة للمطر العنيف، والسيول الكاسحة المستقرة في الذهن عدّ الشاعر حلوله بالأماكن التي تتعرض للسيول ضربا من التحدي للطبيعة وشكلًا من أشكال إقناع الآخرين بأهميته، وقدرته على التصدي لبواعث الخوف فيعطي نفسه بفعله ذلك قيمة إيجابية تستحق التعظيم وتدعو إلى الفخر والتباهي، قال الأسود بن يعفر:

ولقد غدوتُ لعازبٍ متناذِرٍ ... أحوى المذانب مِؤنقِ الرُّوادِ [2]

جادتْ سواريه وآزر نبته ... نفأٌ من الصفراءِ وَ الزّبّادِ [3]

بالجوِّ فالأمواتِ حولَ مُغامرٍ ... فبِضارجٍ فقصيمةَ الطُّرّادِ [4]

إن المطر قد يحمل الخائف منه على الهرب فيخرج أقصى ما فيه من السرعة ليلوذ بمكان آمن يحميه منه، وقد استلهم النابغة هذه الصورة لبيان ما في خيل النعمان من سرعة خاطفة ونشاط متحفز، فقد جعلها ندا مساويا للطير التي أصيبت برشقات المطر، فأظهرت ما في طوقها من جهد هاربة من هول الكارثة باتجاه مأمن واق:

الواهبُ المئةَ المِعكاءَ زيَّنَها ... سَعدانُ تُوضِحَ في أوبارها اللِّبدِ [5]

(1) ديوانه: 279.

(2) العازب: البعيد: المتناذر: الذي تناذره الناس لخوفه، المذانب: السيول.

(3) نفأ: القطع من النبات، الصفراء والزباد: ضربان من العشب.

(4) ديوانه: 30، الجو وضارج وقصيمة: مواضع.

(5) المعكاء: الغلاظ القوية من الإبل، أوبارها لبد: أي ذات لبد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت