الصفحة 23 من 392

الخوف اصطلاحًا:

جرى الكلام ـ فيما مضى ـ على المعنى المعجمي للفظة"الخوف"في ضوء شواهد أتاحتها لنا نصوص في الشعر العربي قبل الإسلام، ولأجل أن تكتمل الصورة لا بد من تجلية مفهوم الخوف الاصطلاحي وتحديد أبعاده، ولما كانت الفلسفة أسبق العلوم سعيًا إلى معرفة الأشياء والأحوال، وعلل وجودها، وموجبات حدوثها، وما ينجم عنها من عواقب سارة أو ضارة، صار من الطبيعي أن يظفر الدارس بشيء يمت إلى موضوع الخوف بصلة، لا سيما عند أرسطو الذي ذهب في حده للخوف إلى أنه: حزن أو اضطراب ناشئ عن تخيل شر داهم سيسبب تدميرًا أو أذى [1] ، بيد أن مقولته"تخيل شر"تحمل المرء على المفهوم الذي ينبثق من تعريف علماء النفس اليوم"القلق"وهم يميزون بينه وبين الخوف بغموض المصدر في الأول لقيامه على الظن والتوهم ووضوح المصدر في الثاني لأمارة معلومة تثيره، أي بين الذات والموضوع [2] .

وأيا ما كان الأمر ففي مذهب أرسطو في تعريف الخوف إشارات واضحة دالة على الانفعالات النفسية التي تنتاب الإنسان فتوهن قواه وتعطل كفايته وتفقده توازنه، ويطالعنا أبو حيان التوحيدي بتعريف يقرب من مقالة أرسطو، وفيه يعزو الخوف إلى ضربين من البواعث أحد هما معلوم صريح، والآخر مجهول غامض ينأى عن التعيين، ويصدف عن التخصيص، والإنسان محكوم بقوتين اثنتين، يصدر عنهما ويقع تحت تأثيرهما، وهما الرجاء والخوف"وأما الرجاء والخوف فهما عرضان للقلب بأسباب بادية وخافية، ولا يدخلان في باب الخلق من كل وجه ولا يخرجان أيضا بكل وجه، وهما كالعمادين للإنسان قد استصلح لهما وربط قوامه بغلبتهما وضعفهما" [3] .

وهناك من يقرن الخوف بالزمان المستقبل، وما المستقبل إلا الغيب الذي لا يبلغ كنهه ساع إليه وتائق لمعرفة ما يحوي في رحمه من خبايا وأسرار، وليس للإنسان قبالته إلاّ الترقب والتأمل والحذر، وهي

(1) الخطابة: 118.

(2) الذات واالغرائز: 102، والشخصية والصحة النفسية، 86، ودراسات في علم النفس: 68.

(3) الإمتاع والمؤانسة: 1/ 151.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت