معان تجيّش المخاوف وتقضّ المضاجع، يقول مسكويه:"الخوف يعرض من توقع مكروه، وانتظار محذور، والتوقع والإنتظار إنّما يكونان للحوادث في الزمان المستقبل" [1] ، أما أبو حامد الغزالي فلا يختلف أمره ـ في شأن الخوف ـ عن مسكويه مفهومًا وصياغة إذ ساق تعريفه له مساقا يكاد يتطابق معه، ويدل على تأثره به إلى حد كبير [2] .
ولقد اصبح الخوف ـ لكونه انفعالا يساور النفس ـ محطّ عناية علماء النفس فعرفوه وعرضوا لبواعثه وذكروا طرائق علاجه والتغلب عليه، فهو عندهم انفعال يتصف بمشاعر غير سارة وبالتوتر والهروب [3] ، أو التجنّب إنْ أمكن [4] ، وهذا التعريف منظور فيه إلى حالة الخائف وردود الفعل التي يضطر إلى اللجوء إليها والإستعانة بها دونما إشارة إلى مصدر الخوف (الذات أو الموضوع) .
في حين يتضح هذا المراد في تعريف آخر يذهب إلى أنّ الخوف"فعل غريزي ووقائي منشؤه تأثير خارجي [5] . وهناك من جعله قرينًا للموقف المفاجىء والحدث المباغت فقال: إنّ الخوف حالة نفسية تنتاب المرء جراء تعرضه لمواقف مفاجئة وغير متوقعة تمامًا حيث يكون تكيفه لهذا الموقف غير سليم، بل إن الموقف المفاجيء بحد ذاته لم يتح له فرصة كافية ليتكيف ذلك التكيف المرجو [6] ."
ولا شك أن حالات من الخوف تدهم الإنسان فلا تدع له فرصة التدبر والتأهب كما يحدث عند سماع صوتٍ مدوٍّ، أو رؤية سيل راعب، وإلى جوارها حالات أُخر يستشعر فيها الخوف بغياب عنصر المباغتة، بل إنّ الخائف ليجد سعة من الوقت تعينه على اتخاذ الحيطة لمواجهة الخطر القابل كمن يرهب عقوبة ملك جائر، أو هجوم جيشٍ معادٍ، فيحتاط للأمر ويخف إلى وسائل يطن أنها تكفل له الإحساس بالأمن وتجنبه الفجيعة، فالمفاجأة قد تصاحب الخوف، لكنها ليست صنوًا ملازمًا له.
(1) تهذيب الأخلاق: 206 - 207، والتعريفات:54.
(2) إحياء علوم الدين: 4/ 135.
(3) * والصواب، الهرب.
(4) معجم علم النفس: 43، وقلق الموت: 18.
(5) الدماغ البشري: 105.
(6) القلق (الهيتي) : 037.