ثمة غريزة محدودة جامدة متصلبة يمكن [1] نطلق عليها غريزة الخوف بل هناك وظيفة نفسية يضطلع بها الخوف في حياة الكائن البشري، وتلك هي حماية الذات الفردية ضد أخطار العالمين الخارجي والداخلي [2] .
فالمرء يبدأ الحياة وهو غير مسكون إلاّ بالقليل من المخاوف، بيد أنه يباشر تعلمها على نحو ما يتعلم ميوله المختلفة واتجاهاته المتنوعة [3] ، وقد لفتنا أبو حيان التوحيدى إلى شيء من ذلك غير أنه جعل الخوف مقسومًا بين الخَلْقِ والخُلُقِ دونما ترجيح لأحدهما على الآخر، فلا هو بالتعلم المحض ولا هو بالغريزة الخالصة، وقد قرر ذلك في معرض حديثه عن الرجاء والخوف، فقال:"ولا يدخلان في باب الخلق من كل وجه ولا يخرجان أيضًا بكل وجه [4] ، وعلى هذا لا يكفي أن يكون المثير مخيفًا، بل لا بد من توافر عنصر المعرفة التي تنبه المرء على أنّ هذا المخيف يقتضي الخوف على نحو من الأنحاء، ولا شك في أنّ هذه المعرفة تنشأ وتنمو بتوفر الإنسان على التجربة والتعلم والإكتساب، هذه المعاني التي اصطفى لها الغزالي تسمية (التقليد) الذي يخصب المعرفة وينضج العقل بتوالي التجارب وتراكم الخبرات، يقول الغزالي:"ومثاله أن الصبي إذا كان في بيت فدخل عليه سبع أو حية ربما كان لا يخاف، وربما مدّ اليد إلى الحية ليأخذها ويلعب بها، ولكن إذا كان معه أبوه وهو عاقل، خاف من الحية، وهرب منها، فأذا نظر الصبي إلى أبيه وهو ترتعد فرائصه ويحتال في الهرب منها، قام معه وغلب عليه الخوف ووافقه في الهرب، فخوف الأب عن بصيرة ومعرفة لطبيعة الحية وسمها، أو خاصيتها، وسطوة السبع وبطشه وقلّة مبالاته، وأما خوف الابن فإيمان بمجرد التقليد لأنه يحسن الظن بأبيه ويعلم أنه لا يخاف إلاّ من سبب مخوف في نفسه، فيعلم أنّ السبع مخوف ولا يعرف وجهه" [5] ، وهذا يعني أن تعيين المخيف وطريقة التعبير عن الخوف منه يكتسبان"
(1) * يسبق الفعل بـ (أن) ليستقيم تركيب الجملة.
(2) تغلب على الخوف: 13، وينظر: علم النفس في حياتنا اليومية: 39.
(3) علم النفس في الحياة العملية: 82، 97، مشكلات الأطفال اليومية، كتاب في أصول الصحة العقلية: 146ـ147.
(4) الإمتاع والمؤانسة: 1/ 151.
(5) إحياء علوم الدين: 4/ 146.