اكتسابًا [1] ، وللمثال الذي أورده الغزالي نظائر أخرى أكدتها التجارب العملية الحية التي أجراها علماء النفس بحثًا عن حقيقة الخوف بين الفطرة والاكتساب [2] ، ثم أنزل علماء النفس الخوف مرتبتين أحداهما لا تخرج الخائف عن طوره الطبيعي، ولا تقوده إلى مهاوي العجز والانطفاء، وأخراهما تقذف به بعيدًا، وتسلمه إلى الشذوذ، فهي في حكم المرض وعليه أدل، وحين يكون الخوف مرضيًا يكون الإنفعال قويًا ثائرًا يهز كيان النفس ويعسفها عسفًا لاذعًا، وفي ضوء هذه الأبعاد المترتبة على الخوف بنوعيه عرض الباحثون لمنافع الخوف ومضاره، ولم يغب عن بالهم أنّ الإنسان يحلم أبدًا في أن يحيا حياة آمنة مطمئنة لا مكان فيها للمخاوف وكأنه يطلب الأمن المطلق وليس في حياتنا مطلق يقدر أنْ يقضي على هواجسنا ومخاوفنا بصورة شاملة [3] ، وعلى الرغم مما يثيره فينا الخوف من انفعالات مكدرة وغير سارة فإنّ له ـ أحيانًا ـ وظائف نافعة، تدفع الإيذاء وتوجب الاحتياط، فالإنسان يحيا باستمرار على حافة الخطر وتكاد حياته تكون ضربًا من الجهد الدائب بحثًا عن الأمان وتحاشيًا لكل خطر مهدد [4] ، فالخوف على هذا لازمة من لوازم الحياة، ومظهر سوي (ما عدا الخوف المرضي أو العصابي) يستنفر قوى الإنسان الكامنة نحو العمل والإنجاز، ولو لفّ عالمنا أمن تام وخلا من المخاطر لكان عالمًا هامدًا لا روح فيه ولا مغزى له وإنّ الذي لا يخاف مخلوق غير موجود في عالمنا الحي، ولو فرضنا وجوده لما استطاع أنْ يبقى، ذلك بأن الخوف متصل بحفظ البقاء، والمخلوق ـ إنسانًا أو حيوانًا ـ الذي لا يخاف لا يمكن أن يبقى [5] ، وفي خوف الإنسان دليل على أمله في النجاة من أسباب المحن، وفي ذلك أيضًا برهان ناصع على رغبته في البقاء، فالخوف حاضر كلما أدرك المرء
(1) الخوف: 12 - 13.
(2) ينظر: علم النفس في حياتنا اليومية: 39 - 41، ومشكلات الأطفال اليومية: 146 - 147، ومخاوف المراهقين في مرحلة الدراسة المتوسطة: 76.
(3) تغلب على الخوف: 23، والقلق، أسبابه وعلاجه: 49.
(4) مشكلات الأطفال اليومية: 41، والعقل المتحرر: 201، ومخاوف المراهقين في مرحلة الدراسة المتوسطة: 22، والقلق، دراسات في الأمراض النفسية الشائعة:41، والخوف في أدب المتنبي:7، والخوف والرجاء:12ـ13.
(5) أصول علم النفس وتطبيقاته: 213، والقلق (فرويد) :26.