وجود خطر متربص به يتهدد أمنه ولا يغيب هذا الإدراك إلاّ عند أولى الجهل والغفلة، والذين لم يمتحنوا أبدًا والذين يمتلكون وسائل للمعونة والنجدة [1] ، فالخوف يغشى الأسوياء وغيرهم والإنسان السوي، ليس بمنأى عن الخوف، ولا يمكن أن يكون بمنأى عنه وليس بنافعٍ له أنْ يكون كذلك، ما دامت الحياة مواقف، ومن المواقف ما يثير الخوف ومنها ما يشعر بالأمن ويبث الطمأنينة في النفوس، ويتفاوت الخوف في مستوياته بين دنو واشتداد، وحينما يشتد ويعصف يخرج عن كونه أمرًا سويًا، ويحمل دلالة المرض والشذوذ، ويعقب آثارًا سلبية تنذر بعواقب جد وخيمة، لانصراف نشاط الخائف إلى الموضوع الذي أثار خوفه وهيّج انفعاله [2] ، فالإنسان حين يخاف يضطرب وهذا الاضطراب يعتري العقل والجسد ويحول بينهما وبين وظائفهما الطبيعية فهو ذو صلة وثقى بالعقل ولشدة تلك الصلة بات يتحكم في مجمل النشاط الذي ينهض به، بيد أنّ كل ذلك مرهون بدرجة الخوف وموكول إلى ما يملك الخائف من استعداد منضبط تجاه الخطر، فالخوف والعقل في معادلة لا يتكافأ طرفاها، يتبادلان المواقع، يعلو هذا حين يسفل ذاك، وتخبو جذوة أحد القطبين حين ينشط الآخر دؤبًا، لأن الاضطرابات الانفعالية عدوة الكفاءة، ويتكون من الانفعال والعقل نوع من الموازنة، فحين يرتفع أحدهما ينخفض الآخر، وكلما كان الفرد أكثر انفعالًا كان أقل كفاءة لأن الاضطرابات الانفعالية حين تحصل يستحيل معها العمل بعقل وكفاءة، فهي تسبب نقصًا في كفاءة التناسق العضلي وفي الضبط الحاذق للقيام بالتكيف [3] ، فالإشارات المعوقة التي يرسلها الخوف إلى العقل تعطل فيه التفكير المنظم، وتشل فيه القدرة على التصدي للمشكلات وحلها، فضلًا عن إخماده قدرته على التذكر والانتباه لأن أشد الانفعالات تأثيرا في التفكير والتذكر والانتباه والعمليات العقلية الأخرى هي الخوف الشديد والغضب الحاد وما يتصل بهما [4] وما يحدث لبدن الخائف من اضطراب في
(1) الخطابة: 121، وأصول علم النفس وتطبيقاته: 213 - 214.
(2) علم النفس في حياتنا اليومية: 11.
(3) علم النفس في الحياة العملية: 95 - 96.
(4) الأسس النفسية للنمو من الطفولة إلى الشيخوخة: 303، وأصول علم النفس وتطبيقاته: 213 - 214، والطب النفسي المعاصر: 41.