وظائفه الظاهرة والباطنة ليس بأفضل حالًا مما يحدث لعقله وادراكه، فالخوف العاصف يرجف القلب، ويعيق الهضم ويضيق الصدر ويخفض ضغط الدم ويوهن العضلات ويرخيها، وقد يفضي إلى الدوار والغثيان والإغماء بل إلى الموت نفسه [1] ، وقد فطن أبو حامد الغزالي منذ وقت مبكر إلى هذه الآثار الناشئة عن الخوف من عنت يكل البدن ونضوب يصيب الطاقات وقتامة تحكم الطوق على العقل فتمنعه ألقه جراء الحرقة (الخوف) التي تهبط في القلب ثم يفيض أثر الحرقة من القلب على البدن وعلى الجوارح وعلى الصفات، أما في البدن فالنحول والصفار والغشية والزعقة والبكاء، وقد تنشق به المرارة فيفضي إلى الموت أو يصعد إلى الدماغ فيفسد العقل أو يقوى فيورث القنوط واليأس [2] .
والحديث عن الخوف يقود إلى الحديث عن العقائد (الدين) على سبيل النشأة والتكوين، ويذكر الدارسون الخوف فيما يذكرون لدى حديثهم عن المنابع الأولى للمعتقدات والبواعث المحرضة لولادتها، ولا شك في أنَّ ضعف الإنسان القديم الناشىء من ضعف الوسائل العلمية وقصور التجربة حدا به إلى أن ينظر إلى الطبيعة نظرة ملؤها الخوف والإجلال، ومدار الأمر في ذلك كله على تطمين حاجاته أو حرمانه منها في المأكل والكسوة والمأوى، لقد افزعت الحيرة إزاء الطبيعة الإنسان إذْ وجد فيها مظاهر كونية حادة من برق يلمع، وصاعقة تهلك، وريح تعصف وسيل يجرف ما يصادفه، وزلزال يهز أرجاء الأرض، فألفى نفسه ضئيلًا قليل الحول تجاهها فتزلف إليها بالشعائر والطقوس والأدعية المعربة عن جلال وجودها والمعظمة لقوتها، خضوعًا لها ونشدانًا لرضاها وعنايتها وطلبًا للأمن وحرصًا على الحياة [3] ، وهذا الشعور بالضآلة مأتاه عجز الإنسان عن الإيفاء بمطالبه المادية والفكرية والروحية، وعلاقته بالكون والمغزى من
(1) الطب النفسي المعاصر: 35، وأصول الطب النفساني: 120، وأصول علم النفس وتطبيقاته: 213 - 214، والعقل المتحرر: 132.
(2) إحياء علوم الدين: 4/ 135.
(3) تأريخ الأديان وفلسفتها: 39، دراسات في الشعر الجاهلي (القيسي) : 30، والشاعر والوجود في عصر ما قبل الإسلام (رسالة جامعية) : 196.