وجوده [1] ، وغالبا ما كان هذا الخوف من مظاهر الطبيعة التي كانت تهدد حياة الإنسان، وتثير فيه القلق الدائم مبعث كثير من المعتقدات الأولى عن الكون إذ وقف الإنسان إزاء تلك الظواهر يتأملها بدهشة مفرطة فيلتمس لها العلل المنوطة بعوالم الغيب ويعزوها إلى قوى غير منظورة [2] ، وتتقمص تلك القوى المحتجبة، والعوالم غير المرئية بعض الأشجار والحيوانات فيسألها الإنسان ويتوسل إليها لأن توفر له الحماية وتؤمن له سبل الحياة، وساقه هذا الاعتقاد إلى إضفاء صفات القداسة والتعظيم على هذه الكائنات واتخذها رموزًا للآلهة [3] . ومن هنا عُدّ الخوف الباعث أو أحد البواعث التي يعزى إليها نشوء الدين ووجود الآلهة فالخوف كما قال لوكريش: أول أمهات الآلهة وخصوصًا الخوف من الموت فقد كانت الحياة البدائية محاطة بمئات الأخطار، وقلّما جاءتها المنية عن طريق الشيخوخة الطبيعية، فقبل أن تدب الشيخوخة في الأجسام بزمن طويل كانت كثرة الناس تقضي بعامل من عوامل الإعتداء العنيف، أو بمرض غريب يفتك بها فتكًا، ومن هنالم يصدق الإنسان أن الموت ظاهرة طبيعية وعزاه إلى فعل الكائنات الخارقة للطبيعة [4] ، فعبد هذه القوى وقدسها، وجّسد هذا التقديس بممارسة شعائر وطقوس يظنها كفيلة بنيل رضاها وتحاشي سخطها ومنذ فجر التاريخ تميز الإنسان بالتّدين، وقد كان الدين الذي تعبد به أولًا حسيًا، مثل عبادة كل مصدر للخير حتى يجلبه ويستزيد منه، وكل مصدر للشر حتى يسترضيه ويتقي شره، ومن هنا عبد الإنسان البدائي البقر والشجر لما تدرّ عليه من لبن وثمر، كما عبد العقرب والثعبان خشية ورهبة، وعلى الجملة عبد البدائيون كل المظاهر الطبيعية ... ثم ارتقى الإنسان وتخطى المظاهر وطلب المعنى الكامن [5] ، وقد رافقت ـ كما سبق القول ـ هذه العبادة طقوس معينة يؤديها ذلك الإنسان البدائي لاستمالة تلك القوى وتأنيسها
(1) القلق ا لإنساني، مصادره تياراته، علاج الدين له: 34، والأسطورة (نبيلة ابراهيم) : 10 - 11.
(2) الغصن الذهبي: 218، والأسطورة في الشعر العربي قبل الإسلام: 154.
(3) ديانة مصر القديمة نشأتها وتطورها: 9.
(4) قصة الحضارة: 1/ 99، الخوف: 127، ووصف الطبيعة وتطوره في الشعر العربي: 1.
(5) الزمان والأزل، مقال في فلسفة الدين: 9 - 10، وديانة مصر القديمة: 9، ورمز الأفاعي في التراث العربي: 25.