الصفحة 31 من 392

ليدرأ بها الشر عن نفسه ورهطه ويستقدم بها الخير له ولهم [1] ، وعلى هذا يكون المعتقد أو الدين رد فعل دفاعي تقاوم به الطبيعة قوة العقل باستحالة اجتناب الموت [2] ، ويكون للخوف نصيبه في نشأة المعتقد أو الدين إذْ كان الإنسان بحاجة ماسة إلى فكرة تحميه من الأخطار، بيد أن المعتقد أوالدين ليس حصيلة الخوف من مظاهر الطبيعة وحدها في غياب التفسير العلمي لها، ولو كان ذلك كذلك لنبذ البشر الدين عندما علم ماهية المظاهر الطبيعية بعيد رفع القناع عن جوهر بعضها وإزالة ما اكتنفه من غموض ولغز [3] ، بيد أن الواقع أثبت خلاف هذا التوقع وما أكثر ما نجد الإنسان يتخذ الدين دريئة في مواجهة المخاوف والتوجسات، ودفع أوزارها الثقال، لقدرته على بث الطمأنينة في النفوس البشرية ومقاومة المخاوف التي قد تسري إليها، فمقدار الشعور بالأمن موزون بمقدار الإيمان حتى أن بعضًا ذهب إلى أن المتدين حقًا لا يعاني من أمراض النفس البتة [4] ، ثم إن ميل الإنسان إلى الدين لم يكن بدافع الحاجة إلى الحماية وحدها، وإنّما وجد فيه أو في معبوده مثله السامي تجاه الحالات التي يتعرض لها كل يوم، فهو لم يرد فقط أن يلجأ إلى سند يحميه، بل أراد أن يوجد لنفسه معبودًا إذا ما فكّر فيه بنفسه سما فوق كا ما ينتاب الإنسان من اضطرابات مختلفة في حياته اليومية، ولقد دفعت الطبيعة البشرية الإنسان دائمًا إلى أنْ يخلق لنفسه معبودات أعطى لها أشكالًا مختلفة [5] ، ولقد كان الموت رأس المخاوف المقضة للبشر والمقلقة لراحة باله، فجاءت الأديان بعلاج نفسي لهذه المشكلة متمثلًا بالقضاء والقدر والحياة بعد الموت، ونفي حقيقة الموت وأن الإنسان لا يفنى إنما ينتقل من دار إلى دار، ولهذا كان العربي قبل الإسلام فاقد الطمأنينة لافتقاده إلى نظرية توقفه على كنه الحياة وتطلعه على ما يجري له بعد الموت، فتكفل له الإحساس بالأمن، ولم يكن

(1) الأسطورة (نبيلة ابراهيم) : 13، تأريخ الأديان وفلسفتها: 39، والأسطورة والرمز في الأدب الجاهلي:95.

(2) منبعا الأخلاق والدين: 150، والغصن الذهبي: 217 - 218، والزمن عند الشعراء العرب قبل الإسلام:56.

(3) تأريخ الأديان وفلسفتها: 40.

(4) قلق الموت: 19 - 20، ولا تخف: 68، وروح ا لدين الإسلامي عرض وتحليل: 77، والشعر الجاهلي منهج في دراسته وتقويمه: 1/ 421.

(5) ديانة مصر القديمة: 4.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت