إن الشعور بالضياع وتوقع الضار اللذين يحسهما القلق يضعانه في حالة من الإنتظار المعذب للساعة التي فيها الخلاص من هذا الشعور المتأزم على نحو ما بدا عند الأعشى الذي ذهب عنه القلق بعد أن وقع على ضالته المنشودة وبطله المأمول قيس بن معد يكرب الذي أحل الطمأنينة في النفوس، وأعاد الأمن إلى الأوضاع بعد سوء واضطراب واختلاط، فقد كان الناس قبله يتخبطون تخبط الناقة التي لا تهتدي إلى السبيل الموصلة إلى الماء، قائلاً:
فإنّي وجَدِّك لولا تجيءْ ... لقد قلِق الخُرتُ أنْ لا انتظارا [1]
كطوفِ الغريبةِ وسطَ الحياضِ ... تخافُ الرّدى وتريد الجِفارا [2]
وينعت أنس بن العلاء الخزرجي خصمه قيس بن الخطيم بالخوف والتوتر الحاد عقب غارة شديدة ملأت قلب قيس فزعا حتى أصبح في حيرة من أمره فقد عطّل الخوف تفكيره في الإهتداء إلى قرار ينجيه من المأزق، ويذهب عنه القلق، فهو مشتت الذهن، ضائع التفكير، مضطرب الحال، وآية ذلك تلفته يمنة ويسرة (متلددا) لانعدام التكيف، وغياب التوافق مع الحال المخيفة المروعة، قال أنس بن العلاء:
نحامي على جِذْمِ الأغرّ بمالنا ... ونبذُلُ حزرات النفوس لنُحْمدا [3]
صبحناهمُ عند القتال بغارة ... فأصبح قيسٌ بعدها متلَدِّدا [4]
فليس ثمة شيء يمكن أن يقوم به القلق سوى أن يقلب أمره على كل وجه بحثاً عن الأمان، ولكن دونما جدوى، قال النابغة الذبياني:
أقلِّبُ أظهراً أمري بطوناً ... وهل تُغني من الخوفِ الفُنونُ؟ [5]
ويتجلى الإنتظار المؤلم والقلق المعذب عند امرىء القيس المتأرجح بين الشك واليقين في رحيل الحبيبة، يحيا بين الأمل الأخضر، واليأس القاتل، وفي خضم هذه الثنائية المتضادة يطلب إلى الحبيبة أن
(1) الخرت: ثقب الأذن بالإبرة، يقال قلق خرت فلان، أي فسد أمره.
(2) ديوانه: 51، الغريبة: الناقة الغريبة: الجفار: الآبار.
(3) حرزات: جمع حزرة، وهي خيار الشيء.
(4) ديوان قيس بن الخطيم: 221، متلدد: التلفت يمنيا وشمالا من الحيرة.
(5) ديوانه: 222.