وحين يداهم الهم المرء، أو يغزو الخوف نفسه، يكون أليف الأرق، ونجي السهاد، فيحرم لذة النوم، ولا يحس بانصرام الليل حتى تتراءى له النجوم ثابتة لا تبرح مواضعها وكأنها مشدودة إلى صخور ثقيلة بحبال قوية، قال الأعشى:
كأنّ نجومها رُبطتْ بصخرٍ ... وأمراسٍ تدورُ وتستريدُ
إذا ما قلتُ: حان لها أفولٌ ... تصعَّدتِ الثُّريَّا والسُّعُودُ [1]
وما ذلك إلا استجابة معذبة لمشاعر رهيبة تنبثق من نفس خائفة مهددة بأخطار تعصف بها كما عصفت بالنابغة الذبياني إذ بلغه وعيد النعمان الذي أثار فيه الخوف، ومنع جفونه التغميض، فبات كاللديغ أُرِقاً مترقباً متألماً [2] .
أما الشاعر عدي بن زيد العبادي الذي أوغر أعداؤه صدر النعمان عليه، فأودعه السجن على أثر تهمة لفقوها عليه، فقد استوحش السجن الرهيب، وخاف العاقبة السيئة المنتظرة من الملك، فبات مهموماً لا يهدأ له جفن، ولا يغمض له طرف، تطول لياله، وتتضاعف أثقاله، منتظرا الصبح ظانا أنه سيكشف عنه غمته، ويكفيه معاناته، قائلاً:
طال ذا الليلُ علينا فاعتكرْ ... وكأنّي ناذُر الصبحِ سمرْ
من نجيِّ الهَمِّ عندي ثاوياً ... بين ما أُعلنُ منه وأُسِرْ
وَكأنّ الليلَ فيه مثلُهُ ... ولَقِدْماً ظُنَّ بالليل القِصَرْ
لم أُغَمِّضْ طولَه حتى انقضى ... أتمنى لو أرى الصُبْحَ جشرْ [3]
شَئِزٌ جنْبي كأنّي مُهْدأٌ ... جعل القينُ على الدَّفِ إِبَرْ [4]
غير ما عشقٍ ولكنْ طارقٌ ... خلسَ النومَ وأجداني السهرْ [5]
(1) ديوانه:321.
(2) ينظر: ديوانه: ق 2 ب 9 - 12/ 32 - 33.
(3) جشر الصبح: انفلق.
(4) شئز: قلق وذعر.
(5) ديوانه:59، أجداني: أعطاني.