الصفحة 265 من 392

وقد توفر الشاعر على التعبير عن تلك الحالة النفسية المفزعة التي أرقته وأقضت مضجعه، وسلبته نعمة النوم، بصورة المضطجع على إبر محماة تحز جلده، وتكوي جنبه، فتنفره عن فراشه، وتجنبه مضجعه، وما العلة في ذلك كلّه إلا هذا الطارق المخيف (الوشاية) الذي ينتصب كالشبح المقيم على مرأى منه، أما الأعشى فيطلق شكوى مرة، وينبىء عن سهاد مؤرق ليس مبعثهما عشق لامس قلبه، ولا مرض ألم به، فنال منه، لكنه الدهر الضروس يوالي معاداته له صباح مساء، فلم يبق له سوى الاستسلام، قائلاً:

أرقتُ وما هذا السُّهَاد المؤرِّقُ ... وَ ما بيَ مِنْ سُقْم وما بيَ معشقُ

وَلكنْ أراني لا أزال بحادثٍ ... أُغادَى بما لم يُمسِ عندي وأُطْرَقُ

فإن يُمسِ عندي الشَّيبُ والهمُّ والعَشَى ... فقد بِنَّ منِّي وَ السِّلامُ تُفلَّقُ [1]

والموت حدث مروع يترك أثراً غائراً في أعماق النفس لا سيما عند فقد عزيز وذهاب محبوب، وعلى أثره يتضافر الهم والخوف ليعلنا عن نفسهما بالأرق المعذب وسط ليل بعيد الأواخر قاسى من مثله صخر الغي بعد أن أيقن أن كل سبل الوقاية من الموت باتت عقيمة لا تجدي فتيلاً وإنّ الغلبة له وحده في النهاية:

أرِقتُ فبِتُّ لم أَذُقِ المناما ... وليلي لا أُحسُّ لَهُ انْصِرَاما

لعَمُْركَ والمَنايَا غَالِباتٌ ... وَمَا تُغْنِي التَّميماتُ الحِمَاما [2]

لقد أجرى لمصرعه تليدٌ ... وساقَتْهُ المَنيّةُ من أَذاما [3]

إلى جَدَثٍ بجنب الجوِّ رَاسٍ ... بِهِ ما حَلَّ ثَمَّ بِهِ أَقَامَا [4]

أما الغد فهو غيب معجز لطالب كنهه، ومقلق لجاهل أسراره، ولن يعود التفكير فيه إلا بهم مكدر مخيف تبدو آثاره في جفن ساهد سارح في مجاهيل الآتي دونما طائل، قال حاتم الطائي:

(1) ديوانه: 217.

(2) التميمات: العوذ.

(3) أذام: من أشهر أودية مكة.

(4) ديوان الهذليين: 2/ 62، الجدث: القبر، الجو: مكان، راس: مقيم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت