الصفحة 266 من 392

ألا أرِقَتْ عَينِيْ، فَبِتُّ أُديرُها ... حِذار غدٍ، أحجى بِأَنْ لا يَضيرُها [1]

ومصير الشاعر مرتبط بمصير القبيلة يسعد بسعادتها، ويشقي إذا شقيت ومن هنا يحرص على أمنها وسلامتها، وينأى بها عن كل ما يؤذيها، أو يلحق الضرر بأبنائها، فالممزق العبدي لا يواتيه الرقاد، ولا تفارقه الهموم لهول كارثة يتوقع حدوثها على يد عمرو بن هند الذي همّ بغزو قبيلته فخفّ إلى استعطافه درءا للأخطار عن القبيلة، وضمانا لأمنها، وقد وفق في ما فعل، إذ استجاب عمرو لندائه، وعدل عن عزمه المخيف، وانصرف عن مراده المعقود على السوء:

أرقتُ فلم تخدع بعينيّ وَسْنةٌ ... ومَنْ يَلْقَ ما لاقَيْتُ لا بُدَّ يَأْرق

تبيتُ الهُمُومُ الطَّارِقَاتُ يَعُدْنَنِي ... كما تعتري الأهوالُ رأسَ المُطلَّقِ [2]

ولا شك في أن وحدة صف القبيلة، وتكاتف أبنائها يمنحانها القوة، ويكسبانها الهيبة اللتين ينعم في ظلهما أبناؤها بالأمن والطمأنينة، بيد أن اختلاف الكلمة، وتباين الأهواء، وتشتت الجماعة عوامل هدّامة تفت في عضدها، وتجعلها غرضا سهلاً لكل رام، وهدفاً قريباً من كل طامع، ولم يكن الأرق الذي لازم قيس بن الخطيم، وأسهره ليله إلا أثراً من آثار خوفه الناجم عن إدراكه تلك الحقيقة المرة الكاشفة عن دور التنابذ في تشتيت القوم، وهد قوتهم، وقد ضمنها دعوته الملحاحة إلى ضرورة التلاحم والتآزر فيما بينهم ليستقيم أمرهم، وتقوى شوكتهم، ويجل مقامهم بين القوم، وقد تجلى هذا الخوف الباعث على الأرق اللافت إلى جدوى الإتحاد والتضامن في قوله وهو يطلع هذه المرأة المتسائلة على دواعي أرقه، وبواعث همه:

تقول ابنة العمري آخرَ ليلها: ... علامَ منُعتَ النومَ، ليلُك ساهرُ [3]

فقلتُ لها: قومي أخاف عليهمُ ... تباغيهم، لا يُبْهِكمُ ما أُحاذرُ [4]

فلا أعرفَنْكُمْ بعد عزٍّ وثروةٍ ... يُقال: ألا تلك التَّبيتُ عساكرُ [5]

(1) ديوانه: 62.

(2) الأصمعيات: 164، المطلق: من التطليق، وهو أن ينفس عن الملدوغ ساعة، فإذا عاوده الألم عاد إلى حالته الأولى.

(3) ليل ساهر: ذو سهر، كما قالوا: ليل نائم.

(4) تباغيهم: بغي بعضهم على بعض، يبهكم: يفسد أمركم.

(5) عساكر: جموع متفرقة، أي هنا عسر وهناك عسكر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت