فلا تَجعلوا حرْباتِكم في نحوركم ... كما شَدَّ ألواحَ الرتاجِ المسامرُ [1]
وطرفة بن العبد لا تنام أجفانه لتغير الزمان، وتبدل الأحوال، فقد بات الدهر يخيفه، ويفزعه بتضييق سبل العيش عليه، وتكدير صفاء حياته بهموم ثقال وأحداث جسام:
أرِقْتُ لهمٍّ اسهرتْني طوارقُهْ ... وساعَدَني دمعي ففاضت سوابِقُهْ
وبتُّ اراعي النجم لا أطعمُ الكَرَى ... كأنّي أسيرٌ طائرُ القلبِ خافقُهْ [2]
يعالِجُ أغلالَ الحديد مكبَّلاً ... وقد عُدْنَ بِيضاً كالثُّغامِ مفارقُهْ [3]
و لم أبكِ طيفاً زار وهنا خيالُهُ ... ولا شاكِ خافي الخِدر كنتُ أعانقُهْ [4]
و لا شاقني رَبْعٌ خلا من أنيسِهِ ... فأضحتْ به آرامه وزقازقُهْ [5]
ولا خلتُ أضغاثاً فبت مُسهَّداً ... لأن الفتى ما عاش فاللهُ رازِقُهْ [6]
ولكنّ دهراً ضاق بعد اتّساعِهِ ... وَجاءتْ أمورٌ وسَّعتْها مضائقُهْ
مضى سلفٌ أهلُ الحِجا منه والتقى ... ولا خيرَ في دهر تولّتْ غرانقُهْ [7]
فلم يبقَ إلا شامتٌ بِمُصيبةٍ ... وذو حَسَدٍ ما تَستقيمُ طرائقُهْ [8]
(1) ديوانه: 208 - 209، الرتاج: الباب الكبير يكون عليه باب صغير.
(2) طائر القلب: خائف مذعور.
(3) الثغام: نبت في الجبل إذا يبس أبيض.
(4) خافي الخدر: كل ما يواري الإنسان من بيت أو نحوه.
(5) زقازقه: جمع زقزق، وهو ضرب من النمل.
(6) أضغاث: أحلام مختلطة مضطربة.
(7) الغرانق: جمع الغرنوق، وهو الكركي، وقيل: هو الشاب الأبيض الجميل.
(8) ديوانه: 218 - 220.