الصفحة 268 من 392

والمهلهل التغلبي حين يعدد مناقب أخيه كليب يذكر مفتخرا أنه كان موئلاً للطريد الخائف الذي حرم النوم، فبث كليب فيه الطمأنينة بالحماية التي وفرها له في ظل مجد باذخ، وعز منيع، قائلاً:

ومَنْ لضيفٍ طريدٍ شاردٍ شَعِثٍ ... أمسى مِنَ الخوفِ لم يُكحلْ بتَهْجَاعِ [1]

وتعلن الخنساء عن أرقها المحض لمقتل أخيها صخر الذي كان معقلاً لها تحتمي به من العوادي، فأصبحت بذهابه في مواجهة مباشرة مع الحياة بمفردها بعد أن فقدت سندها وحاميها الشجاع، إن هذا الخوف الذي توحي به الخنساء خوف مشروع لامرأة عزيزة قصمت الأحداث ظهرها بقتل أخيها فباتت مؤرقة مسهدة وحيدة في كنف عصر لا يكف أهلوه عن الغزو، ولا يقلعون عن الغارة والسبي:

يُؤرِّقُني التذكُّرُ، حين أُمسي ... فأُصبحُ قد بُليتُ بفرْط نكْسِ [2]

على صخرٍ، وأيُّ فتى كصخرٍ؟ ... ليومِ كريهةٍ وطِعانِ حلْس

وَ للخصم الألدِّ، إذا تعدّى ... ليأخذ حقَّ مظلوم بقِنسِ [3]

فلم أرَ مثله رُزءاً لجنٍّ ... ولم أرَ مِثلَه رُزءاً لإنْس

أشدَّ على صروفِ الدهر أيْداً ... وَ أفضل في الخطوب بغير لَبْسِ [4]

التوهم:

ومن يغر الخوف في أعماقه تخر قواه، وتضعف فيه القدرة على التدقيق والتركيز، فهو والحال هذه منقاد لما تمليه عليه مشاعر الخوف ومستعد لأن يفسر الحوادث العادية تفسيرات خاطئة يمليها عليه الخوف والوهم، وهو مستعد أيضاً لأن يصدق كل ما يقال له مما يمس موضوع خوفه وقلقه من قريب أو بعيد [5] ،

(1) المهلهل بن ربيعة التغلبي حياته وشعره: 181.

(2) نكس: عود المرض بعد النقاهة.

(3) القنس: الأصل وأعلى الرأس.

(4) شعرها: 118.

(5) علم النفس في حياتنا اليومية: 118.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت