فحين يكون التوهم بالبصر مثلا فإن العين لا ترى الأشياء على حقيقتها، وإنما تسجل صوراً مخالفة للواقع مطابقة للقلب المملوء رعبا، فالخائف في ظروف الحرب قد يتراءى له العصفور في صورة فرس مسومة، قال العوام الشيباني في بسطام وأصحابه:
ولو أنها عصفورةٌ لحسبتَها ... مسوّمةً تدعو عبيداً وأزْنُما [1]
إن تكبير العصفور الصغير إلى مصاف الفرس ذات الجرم العظيم استجابة ناجمة عن الخوف الكامن الذي أفقد الخائف القدرة على التفريق بين الأشياء والإحجام على نحو سليم، ولعل الجاحظ كان يقصد إلى هذا المفهوم إذ قال: وإذا استوحش الإنسان تمثل له الشيء الصغير في صورة الكبير وارتاب وتفرق ذهنه وانتفضت أخلاطه، فرأى ما لا يُرى، وسمع ما لا يُسمع، وتوهم على الشيء اليسير الحقير أنه عظيم جليل [2] .
وبات عدي بن زيد العبادي ليلته المكفهرة مؤرقاً خائفاً من أن ينجح أعداؤه في كيدهم له فيقتل أو يسجن، ويوحي من هذه النفس الخائفة انتصبت أمام عينيه كل الصور المخيفة المفزعة المعبرة عن القتل والسجن من خلال السحاب والمطر والبرق، فهناك المشرفية، والمآتم التي تقام عليه، ويبكي عليه فيها، وهناك الدم المراق بفعل السيف، قال:
أرقتُ لمكفْهِرٍّ بات فيه ... بوارقُ يرْتقين رؤوس شيب
تلوحُ المشرفيّةُ في ذُراه ... ويجلو صفْحَ دخدارٍ قشيبِ [3]
كأنَّ مآتِمَاً باتَتْ عليه ... خضَبْنَ مآلياً بدمٍ صبيب
يُلأْلِئْنَ الأكفَّ على عديٍّ ... وَ يُعطفُ رجعهنّ إلى الجيوبِ [4]
وهذا وعل عاقل في الجبل فزِع مذعور مخطوف الحشا لتوهم أوقعه فيه بصره، إذ تراءت له أشجار الصوم القبيحة المنظر وكأنها شخوص تترقبه وتترصد حركاته تمهيدا لقنصه، قال ساعدة بن جؤية:
(1) نقائض جرير والفرزدق: 2/ 285.
(2) الحيوان: 6/ 250.
(3) دخدار: الثوب المصون.
(4) ديوانه: 37، المآلي: جمع مئلاة، وهي الخرقة تمسكها عند النوح.