فهرس الكتاب
وبيوت النابغة الذبياني في ذرى يفاع مرتفع يقارب السحاب في شموخه وتزل العصم عن شرفاته، ففي هذا المعقل يضمن الحياة المطمئنة له وللنساء الحرائر اللائي يخشى عليهن الدنس والعار، قائلاً:
وحلَّتْ بيوتي في يفاعِ مُمَنَّعٍ ... تخال به راعي الحمولةِ طائرا
تَزِلُّ الوعولَ العُصمَ عن قذُفاتهِ ... وَ تُضحي ذراهُ بالسحاب كوافرا
حذاراً على ألا تُنالَ مقادتي ... وَ لا نسوتي حتَّى يمتْن حرائرا [1]
والمرقبة لدى الشاعر الصعلوك تعادل الحياة نفسها، فهي ملاذه الذي يقي فيه نفسه، ويشرف منه على الطريق التي يترصدها للغارة، والهجوم، قال الشنفرى الأزدي:
وَ مرقبةٍ عنقاءَ يقصر دونها ... أخو الضِروة الرجلُ الحفيُّ المخففُ [2]
نعيتُ إلى أدنى ذراها وقد دنا ... من الليل ملتفُّ الحديقةِ أسدفُ [3]
فبتُّ على حد الذراعين مُجذياً ... كما يتطوَّى الأرقمُ المُتَعطِّف [4]
فالأبيات هنا تجسد صورة الخائف الذي يعمد جاهدا إلى ترويض نفسه على مشاعر الأمن والأنس والطمأنينة، وتوطينها على الشجاعة ومقارعة الظروف الصعبة، فالصورة ذات إيحاءات متعددة ومختلفة، فهي دالة على القلق والوحشة والضعف كما هي معبرة عن الثبات والأمن، وعلى هذا تحتمل هذه الصورة أمرين معا أحدهما الهرب، والآخر المواجهة التي توازى الهرب أو تزدوج معه [5] .
وليس المكان الحصين قادرا على توفير الأمن المبتغى لللاجيء إليه، لا سيما إذا انتشر خطر المخيف، واتسع مداه:
(1) ديوانه: 69 - 70.
(2) أخو الضروة: الصائد.
(3) نعيت: رفعت رأسي.
(4) ديوانه: 37، مجذيا: قائما محدبا.
(5) دراسة الأدب العربي: 300 - 304.