الصفحة 291 من 392

وقد ينجي الحذر من الخطر على نحو ما حدث للمتلمس الضبعي الذي دفعه حذره من مكائد الملك إلى أن يفض صحيفته، ويطلع على محتواها المتضمن أمر الملك إلى عامله بقتله، أما طرفة بن العبد الذي لم يصغ لنصح المتلمس بفضّ صحيفته، ولم يبال بتحذيره إياه من السر المودع فيها، فقد لقي حتفه على يد عامل الملك تنفيذاً لتوجيه الملك المدون في الصحيفة، قال المتلمس مشيراً إلى تلك القصة، وحذره من نيات الملك، وكيف أنجاه ذلك الحذر من موت محتم:

من مبلغُ الشعراءِ، عن أحوَيهمُ ... خبراً، فتصدُقهم بذاك الأنفسُ

أودى الذي علِق الصحيفةَ منهما ... وَ نَجَا حذار حيائه المتلمسُ [1]

ألقى صحيفتَه، ونجَّتْ كُوره ... عَنْسٌ مُداخِلةُ الفقارة عِرسُ [2]

ألقِ الصحيفةً ـ لا أبالك ـ إنه ... يُخشى عليك من الحِباءِ النِقْرس [3]

ولا شك في أن الحذر من الأمر ليس إجراء يلوذ به الإنسان وحده، فقد يحذر الحيوان مخاوفه أيضاً، فيكون يقظا تجاهها، ويتجلى مثل هذا الحذر في وصف علقمة لظليم عائد إلى أدحيه بعد أن انهكه التعب، وأجهدته الطبيعة بريحها ومطرها، بيد أنه خشي أن يدخل أدحيه مباشرة دونما حذر، فقد آثر التريث والأناة فطاف حول أدحيه طوفين مدققاً النظر في الأرض المحيطة به فلربما يعثر على أثر لمخلوق دخل إليه في غيابه فأے5لذےےے d2 و_ه وأتى على فراخه، ثم كمن له ينتظر أوبته ليجعله في عداد ضحاياه الآخر، ... ومن هنا وجب عليه استطلاع الموقف قبل الولوج إلى الأدحي، فلا أمان، ولا اطمئنان في ظل حياة تحف بها المخاطر من كل صوب:

فطافَ طوفينِ بالأُدحيِّ يقفرهُ ... كأنّهُ حاذرٌ للنخسِ مشهومُ [4]

(1) الحباء: ما يحبونه ـ أي يعطي ـ الرجل صاحبه ويكرمه به.

(2) الكور: الرحل، العنس: الصخرة، والعنس الناقة القوية شبهت بالصخرة صلابتها، العرمس: الصخرة.

(3) ديوانه: 177 - 186، النقرس: الهلاك والداهية العظيمة.

(4) ديوانه: 135، الأدحي: مبيض النعام في الرمل، يقفره: ينظر إليه هل يرى به أثرا، مشهوم: مذعور.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت