فهرس الكتاب
إضمار العداوة وإظهار المحبة:
وقد يستبد الخوف بالمرء فيضمر العداوة لعدوه، ولا يجاهر بها لعجزه عن المواجهة وقصور وسائله عن تطمين رغباته العدوانية، فيظهر الضعف والاستكانة في حضور القوى منتهزا كل غفلة منه لايذائه ولبلوغ مآربه التي لم يجرؤ على الإعلان عنها إذا كان لعدوه عليه قدرة ولمناوئه في نفسه رهبة، قال الأعشى:
أراني بريئاً من عُميرٍ وَ رهطهِ ... إذا أنت لم تبرأْ من الشّرِّ فاسْقمِ [1]
إذا ما رآني مُقبلاً شامَ نبلَه ... ويرمي إذا أدبرتُ ظهري بأسهمِ [2]
ولا شك في أن الجمع بين استبطان البغض والتظاهر بالمحبة والود أمارات دالة على الخوف، فحيث يتعذر على المبغض أن يعبر عن بغضه تجاه المبغوض المخيف يلجأ إلى البديل المعاكس المتمثل بالمداهنة التي قد ترضي المخيف لكنها لا ترضي داخل الخائف بدلالة أن بغضه الكامن فيه يبر عن نفسه كلما آنس في خصمه ضعفاً يمكنه من إلغاء الثنائية المتضادة بين الداخل والخارج، أو بين المعلن والمستور، قال سويد بن أبي كاهل اليشكرى في وصف عدوه المداهن:
بئس ما يجمعُ أن يغتابني ... مطعمٌ وخمٌ، وداءٌ يُدّرعْ
لم يضرني غير أن يحسدني ... فهو يزقو مثلما يزقو الضُوع [3]
وَ يُحَيِّيْنِي إذا لاقَيْتُهُ ... وَإذا يخلو له لحمي رتعْ
مستسرُّ الشنِ لو يفقدني ... لبدا منه ذبابٌ فبتع [4]
فحيث لا يقدر الفرد على الدفاع عن نفسه في مواقف كان يجب عليه أن يدافع عنها يلوذ خائفاً بالمصانعة، والمداهنة، أمام عالمه المعادي له، وإلاّ وقع فريسة سهلة بين أنياب القوي الذي يفتك به دونما رحمة، قال زهير:
(1) عمير: هو عمير بن عبد الله بن المنذر الذي جمع بينه وبين جهنام ليهاجيه.
(2) ديوانه: 123، شام: يقال شام نبله، أي أغمدها، وهو من الأضداد.
(3) يزقو: يصيح، الضوع: طائر صغير.
(4) ديوانه: 31، وينظر: ديوان طرفة: ق 46 ب 669 - 670/ 221، الشن: البغيض، الذباب: الشر، بتع: ظهر.