فأَبْدِ سيماكَ يعرفوكَ كما ... يبدون سيماهُمُ، فتُعتَرفُ [1]
طلب اللذة:
خاف الشعراء الموت، وأيقنوا أن لا مفر لهم منه [2] ، وقد اختلفت سبلهم في التكيف له ومواجهته، فالشعراء الفتيان الذين يتصدرهم طرفة بن العبد عكفوا على اللذات والمتع، وأشرفوا في طلبهما عالمين، أن الحياة آيلة إلى الزوال وعلى المرء اعتصارها، أرضاء لرغباته وأوطاره قبل أن يخمدها سكون الموت الأبدي الذي لا حياة بعده، وذلك أمر يغري بالحاضر ويدعو إلى الاعتصام به، والاقبال عليه إقبال المنهوم، قال طرفة:
ألا أيّهذا الزاجري أُحْضُرَ الوغى ... وأنْ أشهدَ اللذاتِ هل أنت مُخْلِدي؟
فإن كنتَ لا تسْطِيعُ دفعَ منيتي ... فذَرْني أُبادِرْها بما ملكتْ يدي
فلولا ثلاثٌ هُنَّ مِنْ حاجة الفتى ... وَ جَدِّك لم أحفِلْ متى قام عُوّدي [3]
فمنهنّ سبقي العاذلات بشَرْبةٍ ... كُمَيْتٍ متى ما تُعْلَ بالماء تُزبدِ [4]
وَكرِّي إذا نادى المُضافُ مُحنّباً ... كسِيدِ الغضا نبَّهتَه المتوّردِ [5]
وتقصيرُ يومِ الدَّجنِ، والدّجنُ مُعْجبٌ ... ببْهكَنةٍ تحت الطِّرافِ المُعَمَّدِ [6]
(1) البيان والتبيين: 3/ 101 - 102.
(2) ينظر: ديوان طرفة بن العبد: ق 1 ب 8/ 25.
(3) الجد: الحظ والبخت.
(4) كميت: خمر فيها سواد وحمرة، تعل الماء: يصب عليها.
(5) المضاف: الخائف المذعور، مجنبا: فرسا في يده انحناء، نبهته: هيجته.
(6) الدجن: الباس الغيم آفاق السماء، البهكنة: المرأة الشابة التامة الخلق.