الصفحة 295 من 392

كأنّ البُرينَ وَ الدماليج عُلِّقتْ ... على عُشَرٍ أو خروعٍ لم يُخضَّدِ [1]

فَذَرْني أُروِّيْ هامتي في حياتها ... مخافةَ شُرْبٍ في الممات مُصَرَّدِ [2]

فالشاعر هنا لا يلتفت إلى لوم لائمه الذي أعياه بسؤاله الكبير هل أنت مخلدي؟ بل يرى لائمه غير محق في لومه لأنه غير قادر على ضمان البقاء الأبدي والحياة الخالدة، وما دام الأمر كذلك فلم لا يغتنم هذا العمر القصير ويروي نهمه من اللذة والمجون والعبث، ولم لا يعبُّ عبَّاً من نعيم الدنيا الفانية التي تمضي على عجل، فضلاً عن إغناء الحياة بالمثل الأخلاقية والمجد والمروءة، إن الشاعر خائف على مثلّثه الحياتي (الخمرة، المرأة، المروءة) لذا يستغرق في اللذة والمتعة قبل أن يتخرم الموت وجوده، ولولا هذا المثلث لما خاف الموت، لأن الموت يفقده هذه الأشياء الثلاثة دفعة واحدة، وينتزع منه هذه الممتلكات فجأة، فرهبته تجاه هذا الموت قادته إلى الإنغماس في اللذة والاستغراق في قضاء الأوطار، والتهافت على المباهج قبل أن ينتزع الموت هذه الممتلكات [3] باغتيال المقبلين عليها والمسرفين في تعاطيها، فهو لا يريد أن يموت وفي نفسه ظمأ إلى اللذة، وهذه الفكرة الرهيبة عن الموت هيمنت على تفكير الأعشى، وكمنت في أعماقه فواجهها بمعاقرة الخمر وأرسل نفسه في طلبها دونما توقف قائلاً:

في فتيةٍ كسيوف الهند قد علِموا ... أنْ ليس يدفعُ عن ذي الحيلة الحِيَلُ [4]

نازعتُهم قُضُبَ الرّيحانِ متَّكِئاً ... وَ قهوةً مُزَّةً راووقُها خَضِل [5]

لا يستفيقون منها، وَهْيَ راهنةٌ ... إلاّ بهاتِ، وإن عَلّوا وان نهِلُوا [6]

(1) البرين: جمع بره، وهي الخلخال، العشر: شجر أملس لين، لم يخضد: لم يكسر.

(2) ديوانه: 50 - 52، المصرد: المقلل.

(3) ينظر: الإنسان بين الجوهر والمظهر: 134 - 135.

(4) كسيوف الهند: أي مضاء.

(5) الراووق: الوعاء الذي تروق فيه الخمر، خضل: دائم الندى لكثرة الاستعمال.

(6) ديوانه: 59.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت